وقد يكون استخدام المصطلح الثالث أقربَ إلى المعنى المراد، لأن في صيغته دلالةَ المشاركة بين المتخاطبين التي لمسناها قبلُ في المعنى المعجمي لمادة هذه الكلمة (فهي على صيغة فاعَل التي من دلالاتها المشاركةُ) ، وهي دلالة صرفية مزيدة إلى دلالة المشاركة المعجمية الأصلية في الكلمة. ويُعدّ (التحاج) كذلك مصدرا صريحا لفعل حاجّ (حاجَجَ) ، يُحَاجُّ (يُحَاجِجُ) ، تَحَاجًّا (10) (تَحَاجُجًا) ، ومحاجّةً (محاججة) ، وحجاجا.
ومنه أيضا: حَجَّهُ: غلبه على حجّتِه؛ وسميت حُجّة لأنها تُقصد (ومن ذلك الحجّ الذي من دلالاته اللغوية القصد) ، ولأن القصدَ لها وإليها، ومنه مَحجّة الطريق: مقصده.
ويمكن الآن عرض أهم الدلالات التي يُحيل إليها لفظ (التحاجّ أو المحاجّة) وهما الأكثر غنى من الحَجاج بالفتح أو بالكسر، بهذه الدلالات:
-دلالة المشاركة؛ وهو من أصول المجادلة والمحاورة التفاعل أثناء الحديث.
-دلالة القصد؛ وهو شرط أساسي في الحديث والمجادلة.
-دلالة الحجة؛ لأن المجادلة والمحاورة تظهر فيها الحجة أكثر من الحديث العادي.
ولدلالة القصد حضور كثير في الدرسين العربيين النحوي والبلاغي، وفي لسانيات التواصل الحديثة؛ ذلك أنه متوفر في كل لحظة من لحظات استعمال اللغة (11) ، وهو مهيمن على اللغة ذاتها، إلى جانب هيمنته على الطرف الثاني في الحوار، فيصبح حينها مكتسبا بعدا تواصليا (12) ؛ يذكر صاحب المغني:"إن المكلِّم لغيره، إنما يحصل مكلما له بأن يقصدَه بالكلام دون غيره، ويكون آمرا له متى قصدَه بالكلام، وأراد منه المأمورَ به" (13) .
والقصد عند فلاسفة اللغة يقتضي تأسيس الدلالة اللغوية على قُصود المتكلمين، ويتخذ الصورة التالية (14) : إن قول"القائل"لا يمكن أن يفيد شيئا إلا إذا قَصد القائل الأمور الثلاثة الآتية:
أ- أن يَدفع قولُه إلى نهوض"المقول له"بالجواب [القصد] .
ب- أن يتعرف المقولُ له على هذا القصد [قصد القصد] .