الثاني: حوار إبراهيم عليه السلام مع ابنه، في قوله تعالى:"...فلما بلغ معه السعيَ قال يا بنيّ إنيَ أرَى في المنام أني أذبحُك فانظرْ ماذا ترى قال يا أبتِ افعلْ ما تؤمرُ ستجِدني إنْ شاءَ الله من الصابرين"الصافات/102 . ويظهر لنا مبدأ الحوار في أن إبراهيم عليه السلام حين أُمِر بذبح ابنه، لم يأخذه قسرا، ليُذبح قهرا، وإنما"عرض ذلك على ولده ليكون أطيبَ لقلبه" (40) . وفي هذا العرض يتجسد مبدأُ الحوار؛ حيث عرض إبراهيم على ابنه ما رآه في منامه واعتقده أمرا، وقد جعل الدليل (إني أرى في المنام) أسبقَ عن الموضوع (أني أذبحك) ، ثم يعرض موضوعا آخر (فانظر ماذا ترى) ، ليتواصل الحوار بعد ذلك.
2-المحاورة في قصة إبراهيم عليه السلام: تتكرر المحاورة في مواقف كثيرة في القصة، لكنها تحتل مشهدا واحدا منها، وهو (إبراهيم مع أبيه وقومه) ، في نحو قوله تعالى:
الأوّل:"ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين، قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين. قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين، قال بل ربكم رب السموات والأرض ... قالوا آنت فعلتَ هذا بآلهتنا يا إبراهيم قال بل فعله كبيرُهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون"الأنبياء/51-63.
فأساس التخاطب في هذه الآيات بين إبراهيم عليه السلام وأبيه وقومه، هو التعارض لا العرض. ويدخل ضمن مدلولِ التعارض ضمن هذه الآيات، نكرانُه عليه السلام على قومه عبادة الأوثان والانتقاص منها (ما هذه التماثيل ...) ، وردوا عليه بأنهم يقتدون في ذلك بأسلافهم.. إلى جانب سؤالهم عن حديثه أهو حديثُ جادٍّ أم حديثُ لاعبٍ عابث؟ -على ألسنتهم-.
ويتواصل الحوار؛ بحيث يقوم على الاعتراض من الطرفين؛ كلٌّ يعارض ما يعرضه الآخر، وبهذا بقوم مبدأ التعارض في الآيات.