لقد أخذت مستويات الحجاج المذكورة أشكالا عدة في عرض الحجة أو ردّها؛ ومن أشكال الحِجاج المعروفة، أن يثبت المتكلم قوله بدليل ثم يعود إليه ليثبته بدليل أقوى، أو اَن ينتقل بعد إثباته، إلى إثبات نقيضه بدليل آخر، أو بالدليل نفسه. ومنها أيضا التضاد الحجاجي، والتضاد التخاطبي المفصل، الحجاج بالمثل... وغيرها. (38)
وقد توافرت بعض هذه الأشكال في شواهد قصة إبراهيم عليه السلام، وهي:
أ-أن يثبت (عليه السلام) قوله بدليل ثم يكرر إثباته بدليل أقوى، ويظهر ذلك في مطلع حجاجه مع أبيه، في قوله تعالى:"إذ قال لأبيه يا أبتِ لم تعبدُ ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا يا أبتِ إني قد جاءني من العلم ما لم يأتِكَ فاتبعْني أهدِك صراطا سويا"مريم/42-43.
فالدليل الأول: عدم سمع الأصنام وإبصارها وإغنائها. والدليل الأقوى: جاءني من العلم ما لم يأتك.
ب-أن يثبت (عليه السلام) قوله بدليل ثم يثبت نقيضَه بالدليل نفسه ، نحو قوله تعالى في موقفه (عليه السلام) مع قومه:"وكيفَ أخافُ ما أشركتُم ولا تخافون أنكم أشركتمْ بالله ما لم ينزل به سلطانا"الأنعام/81 ؛ حيث عرض عليهم تخويفهم له، والأقوى أن يخافوا همْ أيضا لأنهم أشركوا بالله.
جـ- التضاد الحجاجي القائم على التعارض والقياس، ومنه قوله تعالى في الآية السابقة:"وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به سلطانا".
د- الحجاج التخاطبي القائم على التفصيل، وهو كثير في القصة، وتكاد تقوم عليه، نحو حديثه السابق إلى أبيه"إذ قال لأبيه يا أبت... شقيا"مريم/42-48، وحديثه إلى قومه عن الكواكب"فلما جن عليه الليل ... إن ربك حكيم عليم"الأنعام/76-79، وحديثه إلى قومه عن الأصنام وأنها لا تسمع دعاءهم ولا تنفع ولا تضر، في:"واتلُ عليهم نبأ إبراهيم إذ قال لأبيه وقومه ... بقلب سليم"الشعراء/69-89.