الصفحة 20 من 28

والثاني حجاجه مع قومه، في قوله تعالى:"وحاجَّه قومُه قال أتحاجّوني في الله وقد هداني، ولا أخاف ما تشركون به إلا أنْ يشاءَ ربي شيئا، وسِع ربي كلَّ شيءٍ علما، أفلا تتذكّرون. وكيف أخاف ما أشركتُم ولا تخافون أنكم أشركتمْ بالله ما لم ينزل به عليكم سلطاناَ، فأيُّ الفريقين أحقُّ بالأمن إن كنتم تعلمون. الذين آمنوا ولم يَلبِسُوا إيمانهم بظلمٍ أولئك لهمُ الأمنُ وهمْ مهتدون. وتلكَ حجتُنا آتيناها إبراهيمَ على قومه، نرفعُ درجاتٍ من نشاءُ، إنَّ ربكَ حكيمٌ عليم"الأنعام/80-83.

ورد ذكر هذه المحاجّة بعد مستوى حجاجي أدنى من الصنف الثاني المذكور سابقا، وهو القائم على إيراد الحجة، في قوله تعالى:"وكذلك نُري إبراهيمَ ملكوتَ السموات والأرض وليكونَ من الموقِنين، فلما جنّ عليه الليلُ رأى كوكباَ، قال هذا ربي، فلما أفَلَ قال لا أحبُّ الآفلين. فلما رأى القمرَ بازغًا قال هذا ربي، فلما أفَلَ قال لئن لم يهدِني ربي لأكونَنَّ من القوم الضالين. فلما رأى الشمسَ بازغةً قال هذا ربي هذا أكبرُ، فلما أفلت قال يا قومِ إني بريءٌ مما تشركون إني وجَّهتُ وجهيَ للذي فطرَ السمواتِ والأرضَ حنيفا، وما أنا من المشركين"الأنعام/75-79.

ولذلك فالمخاطب ارتقَى من مستوى إيراد الحجة إلى مستوى ردِّها في الآيات المذكورة؛ حيث تعرّض إلى تخويف من محاجّيه من عاقبة قراره:"إني وجّهتُ"، وحاجّوه في ذلك، فرد:"أتحاجّون في الله"، ثم ردّ حجّة تخويفهم:"وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله"، وفي هذا استدراجٌ للمخاطَب، وارتقاءٌ به إلى ضرورة النِّدِّية في الحجج؛ حيث ينبهه إلى ضرورة خوفِه هو أيضا من عاقبة شركه، على نحو تخويفه له من عاقبة قراره وكفره بما يعبدون. وبعد أن يضمن هذه النّدِّية المؤقتة، يردّ حجّة التخويف بحجّة أخرى:"فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون".

2-أشكال الحجاج في قصة إبراهيم عليه السلام:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت