ويمكن تصنيف هذا الموقف الحجاجي الحاصل في الآية ضمن القسم الثالث؛ حيث جحد النمرود تفرّد الله تعالى بالإحياء، وأن ذلك من دواعي الإيمان بربوبيته. وأنكر ذلك مدّعيا ومحاجّا بردّ الدليل الذي أورده إبراهيم الخليل"ربي الذي يحيي ويميت"بحجّة أخرى"أنا أحيي وأميت"، ليس إقناعا وتدليلا على نحو غرض حجّة إبراهيم عليه السلام، وإنما جحدا ونكرانا للدليل، وتعاليا على المخاطَب.
ويتعين في هذه الحال على المخاطِب المتعالَى عليه، أن يردّ الحجةَ كما رُدَّ الدليل، بحجّة بالغة اعتمدت على العقل والمشاهدة، وهي:"فإن الله يأتي بالشمس من المشرق"، وهي صفة أخرى من صفاته تعالى، الداعية إلى الخضوع والتسليم:"فأت بها من المغرب". وفي ذلك مصادرة لحجة المخاطَب الذي لن يتوخّاها، لأنها في علم محاجّه، ممّا لا يؤتى به فعلا وأداءً، على الرغم من أن سياق الخطاب (المعاند) يقتضي أن يدّعي النمرود ذلك.. لكنه أخفق في تحقيق استمرار الخطاب، لقيام الحجة؛ وفي ذلك إفحام له، وانتصار لمن ساق مستوى الحجاج إلى هذه النهاية؛ وكان ذكر الله تعالى لذلك:"فبهت الذي كفر، والله لا يهدي القوم الظالمين"؛"فبهت": نتيجة الحِجاج الحالية. و"الله لا يهدي القوم الظالمين": وصف من الله تعالى، بأنه ما كان ليسوقه إلى الاهتداء والاقتناع بالحجة المسُوقة -مع أنه يفترض فيه ذلك- لأنه من الظالمين.