الأصل في بنية الجملة: أأنت راغبٌ عن آلهتي يا إبراهيم؟. هذا في حال أنه لم يعرف الأمر بعد، أمّا وقد عرفه من خلال المحاورة السابقة، فإن ذلك أحدث في نفسه اللاتوقّع، وتحقق من أنّ ابنه لا يرغب في آلهته.. وصار بتحققه ذلك (موضوعا؛ مبتدأ) وحمل عليه (أنت) لأنه صار في حكم الفائدة الجديدة غير المتوقعة، وصارت البنية: أراغب أنت عن آلهتي.
واستنادا إلى ظروف الخطاب هذه، فقد يصح وجه واحد لإعرابها: راغب/مبتدأ وصف، أنت/فاعل سد مسد الخبر. ولا تحتمل الوجهين اللذين يعرضهما الدرس النحوي (36) .
جـ-حديث إبراهيم عليه السلام القائم على ردّ الحجّة: يختلف هذا المستوى عن السابق في أن الخطاب فيه قائم على رد الحجة لتوفرها في خطاب المحاجّ، لا على إيرادها إقناعا وتدليلا. وورد منه موقفان:
الأول حجاجُه مع النمرود، في قوله تعالى:"ألم تر إلى الذي حاجّ إبراهيمَ في ربه أنَ آتاه الله الملكَ، إذْ قالَ إبراهيمُ ربي الذي يحيي ويميت قالَ أنا أُحْيي وأميت قالَ إبراهيمُ فإنَّ اللهَ يأتي بالشمس من المشرق فأْتِ بها من المغرب فبُهت الذي كفَر، والله لا يهدي القومَ الظالمين"البقرة/257.
لقد صنف كثير ممّن تناولوا هذه الآية ضمن المناظرة، وجعل ابن كثير حديثها في باب: ذكر مناظرة إبراهيم الخليل والنمرود (37) . والمخاطب في المناظرات عموما، يعدّ ضمن القسم الثالث من أقسام أقوال المخاطب التي حددتها البلاغة العربية في موضوع مقتضى الحال:
1-مخاطب خالي الذهن من الخبر.
2-مخاطب شاكّ متردّد في قبول الخبر.
3-مخاطب جاحد منكِر، رادّ للخبر.
وتتفاوت طبيعة الخطاب ومستويات الحجاج -إن كان حجاجيا- ووسائله، من قسم إلى آخر، حسب التفاوت الحاصل في نفس المتلقي ومقتضى الحال.