الصفحة 17 من 28

يقوم الخطاب في هذه الآيات على مبدأي المحاورة والحِجاج؛ لكن الحجاج فيها قائم على طرف واحد، وهو إبراهيم -عليه السلام-؛ بعدّه باعثَ الحوار (إذ قال لأبيه) ؛ حيث يرسل الحكمَ استفهاما لغير الاستدراج:لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر. ويُعقبه بدليل للإقناع: إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك. ثم يرسل طلبا آخر: لا تعبد الشيطان، ويُعقبه بدليل: إني أخاف أن يمسك... والأدلة هنا قائمة في نفس المتكلم، بخلاف الأفعال والأحكام القائمة في نفس المتلقي. وفي هذه المناوبة بين الحكم والدليل، نسجل أن المحاورة كانت بألطف العبارات وأرقّها، وذلك من دواعي الخطاب، ومقتضيات المقام، حتى بعد احتدادها، فقد حافظ إبراهيم عليه السلام، على السَّمْت العاطفي النفسي، قائلا: سلام عليك سأستغفر لك ربي.

وقد توالت الأحكام بأدلتها، إكثارا على السامع، وجلبا لتفكّره وإقناعه، لكنه لما كان معاندا؛ كان جوابه من غير ما طُلِب في الأساليب السابقة (لمَ تعبد - لا تعبد) ، وورَد استفهاما إنكاريا: أراغبٌ أنتَ عن آلهتي يا إبراهيم؟.

وتظهر طبيعة المتلقي وموقفه من خلال بناء هذه الجملة المخالف للبنى المتوقّعة للإجابة؛ ذلك أنه هو نفسه (المتلقي) قد شهد موقفا غير متوقَّع من ابنه؛ أن يصدر منه ما صدر، وأن يجاهره ويجابهه بذلك.. لقد كان الأب في موقف غير المتوقِّع، فقدّم في بناء الجملة ما حقّه التأخير، على سبيل أنه صار موضوعَ حديث وهو غير المتوقع: رغبة ابنه عن آلهته. ثم أخّر ما حقّه التقديم على سبيل أنه صار محمولا على الموضوع السابق، وهو ابنه: أنت، على النحو:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت