وبالعودة إلى حديث أوستين الذي ميّز بين صنفين من العبارات: العبارات الوصفية التي تصف شيئا في الواقع الخارجي، ويمكن أن يُقال عنها صادقة -مطابقة للواقع-، أو كاذبة؛ غير مطابقة للواقع، نحو الجوّ جميل. والعبارات الإنجازية التي لا تصف شيئا في الواقع الخارجي، ولا يمكن الحكم عليها بالصدق والكذب، وتمتاز بأن النطق بها لا يتزامن مع تحقّق مدلولها. ومنها: قال، وعد، سأل، حذر.. ويجب أن يكون المتكلم بها هو فاعلها، وفي زمن الحاضر (34) . وهذا طرح لا يختلف عن تقسيم البلاغة العربية للأسلوب قسمين: خبر وإنشاء، على أساس المطابقة وغير المطابقة. والأفعال (قال، جادل، حاجّ) في كثير من الآيات السابقة، هي أفعال إنجازية غير وصفية، لأنها تحقق شيئا في الواقع الخارجي، وتؤدي فعلا، نحو:"وأعتزلكم وما تدْعُون من دون الله وأدعو ربي"، ونحو"فلما ذهب عنِ ابراهيمَ الروعُ يجادلنا في قوم لوط"حكايةً؛ فـ: أعتزلكم، وأدعو،... وغيرهما من الأفعال التي تحفل بها القصة، وهي إنجازية، لما تتصف به من التزام المتكلم اتجاه موضوع الخطاب، ومما تُحدِثه من تغيير في سلوك المخاطَب ومواقفه. والمتأمل لشواهد القصة جميعا يجدها لا تخلو من هذه الأفعال، لأن موضوعها قائم على الحجاج والمحاورة، وهما يقتضيان هذه الأفعال دون غيرها.
تبين فيما سبق أن قصة إبراهيم عليه السلام تحفل كثيرا بلفظ الحِجاج وما يرتبط به من أفعال تؤدي الدلالة نفسها، نحو: قال، جادل، أعتزلكم، أدعو .. ولقد اتّضح أن للحجاج الأبعادَ الدلالية التالية:
• دلالة المشاركة والتفاعل أثناء أداء الخطاب.
• دلالة القصة في توجيه الخطاب.
• دلالة الحجة، لأنها أساس الحجاج، وبخلاف المحاورة غالبا.