الصفحة 14 من 28

فإذا تكرر الحجاج بصيغته اللفظية، أو بأفعال تتضمن دلالته، فإن في ذلك تكرارا لهذه الدلالات في القصة، مما يجعلها تحتفظ بخطابها التداولي، خلافا لقصص قرآنية أخرى كثيرة، من خلال الحوار القائم بين المخاطَبين. وتحديدا، من خلال حضور الحجة في أشكال خطاباتهم.

وحين نتتبّع الشواهد المذكورة سابقا، ونرصُد الحجج التي ساقها المتخاطبون، نسجل أن إبراهيم عليه السلام هو قطب الخطاب في القصة جميعا، ويَنتظر في كل موقف خطابي جوابا، باختلاف مخاطبيه. ولعلّ من مفاهيم الحِجاج التداولية، أن المتكلم ينتظر ممن يوجه إليهم الخطاب حركة تنسجم مع المقاصد القولية التي ينتجها. ويسمى ما يقومون به حينها لازمَ الفعل، بِعدِّ قول المتكلم فعلا كلاميا إنجازيا. وعلى المتكلم أن يعيَ جيدا أحوال مخاطبيه ومستوياتهم المختلفة ليحقق مقاصده.

وأساسُ الحجاج تداوليا حضورُ الحجة، وربما كانت الحُجّة هي الفرق بينه وبين المحاورة، ولذلك ذكر البلاغيون العرب قولَ بعض أهل الهند أن:"جماعَ البلاغة البصرُ بالحجة، والمعرفة بمواضع الفرصة" (35) .

فإبراهيم عليه السلام في كثير من مواقفه المعروضة سابقا، يتحيّن فرصة الخطاب المناسبة، لإصدار الحجة المفحِمة لمحاجِّه، أو المبينة لمحاوره، كما يتضح ذلك من خلال أشكال الحجاج ومستوياته الآتية:

1-مستويات الحِجاج في قصة إبراهيم عليه السلام:

يمكن أن نحدد ثلاثة مستويات للحجاج في القصّة، مندرجة من الحديث القائم على البرهان ودليل صحة المقول، إلى الحديث مع إيراد الحجة للتدليل على صحة المقول وصدق القائل، إلى أعلى مستويات الحجاج، وهو الحديث مع رد الحجة لتكذيب المخاطب ودحضه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت