فيقول أفقر الورى إلى عفو ربه العلي محمد بن أحمد بن علي البهوتي الحنبلي: هذا ما اشتدت إليه رحال السالكين، وامتدت إليه أعناق الناسكين، من بيان فضل السفر وآدابه، وكيفية الترخص واستحبابه، و [شرف] [1] النُّسُك وطُلاَّبه، وذم الراغبين عن قصده وطِلابه، وبيان كيفية النُّسُك وأماكنه وأوقاته، وشروطه وأركانه وواجباته ومسنوناته.
قصدت جمع ذلك حين يسر الله المسير إلى حج بيته الحرام، وزيارة قبر نبيه المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام [2] ؛ وذلك عام أربع وخمسين وألف من الهجرة النبوية، على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التحية.
(1) في المدنية: "شوق". وما في المصرية يوافقه ما في جامع المناسك الحنبلية (ص2) .
(2) مراده: زيارة المسجد النبوي وزيارة قبره - صلى الله عليه وسلم - تبعًا، لا إفراد القبر بالزيارة؛ حيث قال في خاتمة كتابه (ص121) : "...يستحب لمن قضى مناسكه وأراد الرجوع إلى وطنه أن يقصد المدينة المنورة البهية، على مشرِّفها أفضل الصلاة وأزكى التحية؛ ليزور المسجد الشريف النبوي، والقبر الكريم المصطفوي...". وقد نقل ابن قاسم في حاشية الروض (4/190) عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قوله: "النية في السفر إلى مسجده وزيارة قبره - صلى الله عليه وسلم - مختلفة؛ فمن قصد السفر إلى مسجده للصلاة فيه فهذا مشروع بالنص والإجماع، وكذا إن قصد السفر إلى مسجده وقبره معًا، فهذا قصد مستحبًا مشروعًا بالإجماع. وإن لم يقصد إلا القبر ولم يقصد المسجد، فهذا مورد النزاع؛ فمالك والأكثرون يحرِّمون هذا السفر، وكثيرٌ من الذين يحرمونه لا يجوَّزون قصر الصلاة فيه، وآخرون يجعلونه سفرًا جائزًا، وإن كان السفر غير جائز ولا مستحب ولا واجب بالنذر...".