الصفحة 35 من 151

الأول: أن المؤلف عفا الله عنه لم يسلم مما وقع فيه كثيرٌ من الفقهاء المتأخرين عند الكتابة في المناسك من شطحات التصوف، سيما مغالاته في بعض ما أورده من الدعاء عند كلامه عن زيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - [1] ، وكذا قوله بسُنِّية زيارة المشاهد في مكة [2] وفي المدينة [3] . وتفسير ذلك عندي أن الرجل ابن بيئته وعصره كما قيل، ولقد عاش الخلوتي في عصر كان من أبرز سماته أمران: فشو التصوف، وغلبة التقليد.

فأما التصوف فيكفي للدلالة على أثره أن المؤلف قد اشتهر بالخلوتي؛ فغلب انتسابه إلى الطريقة الخلوتية على انتسابه إلى بلده أو عشيرته.

وأما التقليد فإن الفقهاء - والخلوتي من جملتهم - قد تتابعوا على نقل هذه الشطحات تقليدًا، فلا تكاد تجد كتابًا في المناسك سلم من ذلك، حتى إن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله - وحسبك به إمامًا - لم يسلم من ذلك في أول أمره؛ حيث قال: "قد ذكر طائفة من المصنفين في المناسك استحباب زيارة مساجد مكة وما حولها، وقد كنت كتبتها في منسك قبل أن أحج في أول عمري لبعض الشيوخ، جمعته من كلام العلماء، ثم تبين لنا أن هذا كله من البدع المحدثة التي لا أصل لها في الشريعة، وأن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار لم يفعلوا شيئًا من ذلك، وأن أئمة العلم والهدى ينهون عن ذلك، وأن المسجد الحرام هو المسجد الذي شرع لنا قصده للصلاة والدعاء والطواف وغير ذلك من العبادات، ولم يشرع لنا قصد مسجد بعينه بمكة سواه، ولا يصلح أن يُجعل هناك مسجد يزاحمه في شيء من الأحكام، وما يفعله الرجل في مسجد من تلك المساجد من دعاء و صلاة وغير ذلك، إذا فعله في المسجد الحرام كان خيرًا له، بل سنَّة مشروعة، وأما قصد مسجد غيره هناك تحريًا لفضله فبدعة غير مشروعة..." [4] .

(1) انظر: (ص121) .

(2) انظر: (ص83) .

(3) انظر: (ص127) .

(4) اقتضاء الصراط المستقيم (2/811) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت