أن اتخاذ العيادات وامتهان التطبيب بالقرآن والتفرغ لذلك محدث مبتدع في زماننا لم يعرف قط في عهود المسلمين السابقة منذ العهد النبوي الشريف ومرورًا بالعهد الراشد ولم يكن موجودًا قائمًا في القرون الخيرة وما مارس ذلك الصحابة رضوان الله عليهم كما يمارسه بعضنا اليوم ولم يعرف ذلك في زمان التابعين ولم يكن معهودًا في أعصار تابعي التابعين أو تابعيهم إلى زماننا هذا ، فظهر في هذا الزمان وتُوُسِّع فيه إلى هذه الدرجة التي نجدها بمعدل عيادة قرآنية في كل حي وفريق .
فهذه العيادات بهذه الصورة المحدثة اليوم بدعة ما فعلها النبي صلى الله عليه وسلم وما أقرّ من فعلها أو مارسها ، ولم يفعلها أصحابه رضوان الله عليهم ، وما فعلها التابعون ولا تابعوا التابعين ، وغيرهم ، ذلك كله مع قيام المقتضي ، والمعلوم عند أهل الأصول أن البدعة هي ما لم يكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم مع وجود المقتضي له. فلا شكّ أن الناس من سلف الأمة كانوا أحوج لأن يتفرغ الأخيار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يعالجون الناس بالقرآن ، أو أن يتخذ النبي صلى الله عليه وسلم دارًا يخصصه لمعالجة الناس بالقرآن ، وذلك لما كان يرجى في الرسول قطعًا لبركته وإجابة دعائه وقبول شفاعته وطلبه للشفاء ، أكثر مما يرجى في الشيوخ المقرئين المتفرغين للتطبيب اليوم بلا شك . مما يؤكد أنه مع وجود المقتضي لإنشاء العيادات والتفرغ لذلك لم يفعل ، فدلّ أنه بدعة أقلها الكراهة إنْ لم تكن بدعة محرمة .
الوجه الخامس:
أن الأصل في التداوي بالقرآن قراءة المرء لنفسه ، والدليل على ذلك كثير منه:
1ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى نفث على نفسه بالمعوِّذات ومسح عنه بيده" [1] ."
(1) صحيح مسلم كتاب الطب ، رقم 5680 ج14 ص 404 بشرح النووي.