توضح الآيات السابقة أن الهداية إلى طريق العبادة هي فضل الله على عباده . مثل الأرض الطيبة التي يخرج نباتها بإذن ربها و تأتى أكلها كل حين . و هكذا أحسن الله إلى عباده في الدنيا بالدرجات قبل الآخرة . عن البراء بن عازب قال:"قال النبي صلى الله عليه و سلم في الأنصار: لا يحبهم إلا مؤمن و لا يبغضهم إلا منافق . من أحبهم فاحنه الله ، و من ابغضهم فابغضه الله ." (16) . و لقد ونال الأنصار هذه الدرجة الرفيعة في الدنيا - كذلك الصحابة جميعهم رضوان الله عليهم - بإخلاصهم و صدقهم و جهادهم بالنفس و المال . و هكذا تاب الله عليهم و انعم عليهم بهذا الفضل الكبير .
ب) أما الفضل في مقام الأمور الحسيه و المادية:-
و هذا قد يأتي في صور و أشكال مختلفة: مثل الرزق ، قال تعالى:"ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم ."البقرة: (198) . عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:"كانت عكاظ و مجنة و ذي المجاز أسواقا في الجاهلية ، فتأثموا أن يتجروا في المواسم فنزلت: ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم ... الآية . في موسم الحج ." (17) . ويقول صاحب الظلال:"ليشعر من يزاولها أنه يبتغى من فضل الله حين يتجر و حين يعمل باجر و حين يطلب أسباب الرزق . أنه لا يرزق نفسه بعمله ، إنما هو يطلب من فضل الله فيعطيه الله . فأحرى ألا ينسى هذه الحقيقة و هي أنه يبتغى من فضل حين يكسب . و متى استقر هذا الإحساس في قلبه و هو يبتغى الرزق فهو أذن في حالة عباده لله لا تتنافي مع عبادة الحج في الاتجاه إلى الله . و متى ضمن الإسلام هذه المشاعر في قلب المؤمن أطلقه يعمل و ينشط كما يشاء . لهذا يجعل الحديث عن طلب الرزق جزء من آية تتحدث عن شعائر الحج ." (18) .