وامتثالا لوصيته، دفن بجوار ضريح الصحابي البطل أبي عبيدة بن الجراح، فاتح فلسطين ومحرر بيت المقدس. ولعله إختار أن يرقد على امتداد تراب فلسطين السليبة في صحبة أمين الأمة، ليدعو الأمة العربية إلى استلهام روح الأمانة والتحرير، والاقتداء بسير الفاتحين الأولين. وبهذا فإن أبا مازن قد ظل يعمل في سبيل القضية المقدسة حتى في اختياره لمدفنه، ويبقى في خدمتها بعد مماته.
الشقيري الذي عاش لقضية وطنه بكل فكره وقلبه وجوارحه لم يتحمل قيام الرئيس أنور السادات بالتوقيع على اتفاقية كامب ديفيد مع العدو الإسرائيلي. فقضت مشيئة الله- أوهي رجته- أن يصاب على إثر ذلك بمرض عضال في دماغه. ثم قضت مشيئة الله- أو هي رحمته أيضا- أن يفارق الحياة في فجر يوم 26/2/1980. قبل ساعات معدودة من قيام أول سفير للعدو بتقديم أوراق اعتماده للسادات نفسه !!
وفي اللحظة التي كنت أكتب فيها هذه المقدمة حملت الأنباء اغتيال الرئيس السادات الذي كان الأستاذ الشقيري قد بعث إليه برسالة ينصحه فيها بألا يوقع مع العدو الصهيوني أية وثيقة مهما كانت الظروف وذلك من أجل الحفاظ على حقوق الشعب العربي الفلسطيني. وقد اختتم رسالته إليه بقوله:
كتبت لسيادتكم هذه الرسالة بعد صلاة الفجر ويداي مرفوعتان إلى السماء، تضرعان إلى الله بأن يهيئ لك من أمرك رشدا وأن يخرجك مما أنت فيه مخرج صدق. واذكروا قول الله تعالى في كتابه الكريم:
"ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجونً"صدق الله العظيم.