الصفحة 13 من 27

-"فليقل": وهذا يدل على أن النهي عن تمنى الموت مقيدًا بما إذا لم يكن على هذه الصيغة؛ لأن في التمنى المطلق نوع اعتراض ومراغمة للقدر المحتوم، وفي هذه الصورة المأمور به نوع تفويض وتسليم للقضاء.

قال السعدى - رحمه الله - في شرحه لحديث أنس السابق:

هذا نهي عن تمني الموت، للضر الذي ينزل بالعبد: من مرض أو فقر أو خوف، أو وقوع في شدة ومهلكة، أو نحوها من الأشياء، فإن في تمني الموت لذلك مفاسد

منها: أنه يؤذن بالتسخط والتضجر من الحالة التي أصيب بها، وهو مأمور بالصبر والقيام بوظيفته. ومعلوم أن تمنى الموت ينافي ذلك.

ومنها: أنه يُضعف النفس، ويحدث الخَوَر والكسل، ويوقع في اليأس. والمطلوب من العبد مقاومة هذه الأمور، والسعى في إضعافها وتخفيفها بحسب اقتداره، وأن يكون معه من قوة القلب وقوة الطمع في زوال ما نزل به. وذلك موجب لأمرين: اللطف الإلهي لمن أتى بالأسباب المأمور بها، والسعى النافع الذي يوجبه قوة القلب ورجاؤه.

ومنها: أن تمني الموت جهل وحمق، فإنه لا يدرى ما يكون بعد الموت، فربما كان كالمستجير من الضر إلى ما هو أفظع منه: من عذاب البرزخ وأهواله.

ومنها: أن الموت يقطع على العبد الأعمال الصالحة التي هو بصدد فعلها، والقيام بها، وبقية عمر المؤمن لا قيمة له، فكيف يتمنى انقطاع عملٍ. الذرّة منه خير من الدنيا وما عليها ؟

وأخص من هذا العموم: قيامه بالصبر على الضر الذي أصابه، فإن الله يوفي الصابرين أجرهم بغير حساب.

و لهذا قال في آخر الحديث:"فإن كان لابد فاعلًا فليقل:"اللهم أحيني إذا كانت الحياة خيرًا لى، وتوفّني إذا كانت الوفاة خيرًا لى". فيجعل العبد الأمر مفوضًا إلى ربه الذي يعلم ما فيه الخير والصلاح له، والذي يعلم من مصالح عبده ما لم يعلم العبد، ويريد له من الخير ما لا يريده (العبد لنفسه) ، ويلطف به في بلائه، كما يلطف به في نعمائه. أهـ (بهجة القلوب الأبرار صـ208 ) "

والحاصل ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت