فأما الاتجاه الأدبي، فقد يبدو في بعض الأحيان ظلًا للاتجاه العلمي، فهذا الشغف بالعشر الذي قيل في النجوم والرياح وتقلب الفصول والحر والبرد والشموع والنيران، يشير إلى ذلك؛ وعلى هذا لم يسمح التيفاشي لصوت النقد بأن يرتقفع عاليًا إلا حين رأى التنوخي يكثر من تشبيه المحسوس بغير المحسوس فيقول:"إني لينغص علي إحسان هذا الرجل مع كثرته - ما أخذ به نفسه من تشبيه الأظهر بالأخفى، وهو شيء كرهه أكابر العلماء ونصوا عليه، وهو قد أغري به لا يكاد يخلي منه تشبيهاته" (1) . وأحيانًا يعثر في النقد عثرة من لا يعرف أولياته، فيورد بيتين لأحد الشعراء المحدثين ثم يقول وهذا أبلغ من قول امرئ القيس، إلا أنه لا يدخل في مختار الكلام لابتذال لفظه (2) ، فكيف يكون أبلغ وهو مبتذل اللفظ؟ وهو أحيانًا يعمم الحكم استنادًا إلى سعة مروياته من الأشعار، كأن يقول: وشعراء المغرب حازوا قصب السباق في وصف الاغتباق" (3) وفي سائر المواقف النقدية يعد عالة على من تقدمه من النقاد."
وقد ذكر من ترجموا له بأن له شعرًا حسنًا ونثرًا جيدًا (4) ، ولم يصلنا شيء من نثره الفني، فأنا نثره في كتبه، فهو بسيط سائغ، دقيق في إبراز الفكرة التي يعالجها؛ وأما شعره فقد وصلنا منه عدد من المقطعات تبلغ أربعًا وعشرين تتراوح بين بيتين وتسعة عشر بيتًا، ولكن أكثرها من القصار؛ وتدور في معظمها على موضوع الوصف (وصف الليل، الهلال، السماء، الزلزال، النار، الشمعة، الفانوس، الأهرام..) ومن الواضح فيها سيطرة الفكرة والعمل الذهني، وطلب الصورة، دون احتفال بمستوى التعبير، ولا يخرج التيفاشي في هذا عن الاتجاه الغالب على شعراء عصره، ولا يتجاوز الموضوعات التي كانت تستأثر باهتمامهم، إذا هم تجاوزوا مقام المدح والرثاء (5) .
كانت الآلات التي ملكها التيفاشي من علم وأدب تؤهله لأن يكون
(1) الفقرة: 379.
(2) الفقرة: 49.
(3) الفقرة: 149.
(4) انظر الديباج: 75.
(5) سألحق بالمقدمة القطع التي لم ترد في هذا الكتاب مما وجدته من شعر التيفاشي.