الإسكندرية، ودخل السوق تاجر أعجمي، فأخرج ثمانية عشر حجرًا على أنها بازهر حيواني، ودفعها لدلال، فأوقف عليها أمين السوق، فلم ينكر منها شيئًا، ونادى عليها جملة على أنها بازهر حيواني، فلما وصلت إلينا ورآها الجوهري الذي كنت في دكانه أخرج منها حجرين فأرانيهما وأخبرني أنه ليس في الجميع بازهر خالص غيرهما، وأن الباقي معمول مدّلس، واستدل على صحة قوله بأمرات أبرزها في المعمول وغير المعمول، تظهر للذكر النظر الجيد الفطنة" (1) ."
أما في حال الثقافة فقد تعرف إلى كثيرين من أهلها ومن الوافدين، وكان يلتقي المعاربة منهم في مجلس الرئيس جمال الدين موسى بن يغمور (663/ 1265) الذي شغل مناصب متعددة في الدولة، وكان لعطفه على القادمين من المغرب يسمى"كهف المغاربة"، ومن هؤلاء الطبيب أبو الحجاج يوسف بن عتبة الإشبيلي (636/ 1239) الذي جعله ابن يغمور مشاركًا مع أطباء البيمارستان (2) واصبح صاحبًا ملازمًا للتيفاشي. وعلى مائدة ذلك الرئيس نفسه التقى أبا المحامد القرطبي (643/ 1245) الذي كان مولعًا بالذم (3) . وتوكدت أواصر العلاقة بين وبين ابن سعيد الأندلسي، وكنا يصطحبان في جولاتهما للقاء الأدباء، ويتناشدان الأشعار، ويدونان الأخبار وقد أهداه ابن سعيد كتاب المغرب ثم أجازه رواية الكتاب نفسه. وجاء في تلك الإجازة:"أجزت الشيخ القاضي الأجل أبا الفضل أحمد بن الشيخ أبي يعقوب التيفاشي أن يروي عني مصنفي هذا، وهو المغرب في محاسن المغرب، ويرويه من شاء، ثقة بفهمه واستنامة إلى علمه" (4) .
وقد سجل التيفاشي قصة الإهداء والإجازة في قطعتين من شعره، فقال إحداهما:
سعد الغرب وازدهى الشرق عجبًا ... وابتهاجًا بمغرب ابن سعيد
طلعت شمسه من الغرب تجلى ... فأقامت قيامة التقييد وقال في الثانية:
يا طيب الأصل والفرع الزكي كما ... يبدو جنى ثمر من أطيب الشجر
(1) أزهار الأفكار: 139.
(2) اختصار القدح المعلى: 163 - 164.
(3) المصدر السابق: 212.
(4) نفح الطيب 2/ 332.