الصفحة 121 من 444

وهو الذي بسببه تجب الأعمال، فقد اختلف فيه ووقع العمل على أنه الفجر المعترض الآخذ في الأفق يمنة ويسرة. فبطلوع أوله في الأفق يجب الإمساك عن الأكل للصيام. لما خرجه مسلم في صحيحه (1) أنه صلى الله عليه وسلم قال: ليس الفجر الذي يقول هكذا وهكذا - وجمع أصابعه ثم نكسها إلى الأرض - ولكن الذي يقول هكذا - ووضع المسبحة على المسبحة ومد يديه. وروي عن أبن عباس وغيره أن الإمساك يجب بتبين الفجر في الطرق وعلى رؤوس الجبال. وعن علي عليه السلام أنه صلّى بالناس الصبح وقال: الآن تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر. وإنما قادهم إلى هذا القول أنهم يرون أن الصوم إنما هم في النهار، والنهار عندهم من طلوع الشمس، لأن آخره غروبها فكذلك أوله طلوعها؛ وذكر عن الخليل بن أحمد أن النهار من طلوع الفجر، واستدل بقوله (وأقم الصلاة طرفي النهار) وهذا من أهل اللغة موافق للحديث ومن أكل وهو يشكّ في طلوع الفجر فعليه عند مالك القضاء.

270 -ومما نقل من كتاب"ديوان المعاني"للعسكري (2) : من أجود ما قيل في الصباح، قال الأصمعي: نزلت بقوم من غنيّ قد جاوروا قبائل العرب من بني صعصعة. فحضرت ناديهم وشيخ طويل الصمت عالم بالشعر، يأتونه الناس من كل ناحية ينشدونه أشعارهم، فإذا سمع الشعر الجيد قرع الأرض بمحجنه فينفذ حكمه على من حضر منهم. بشاةٍ إن كان ذا غنم، أو ابنِ مخاض إن كان ذا إبل، فتذبح أو تنحر لأهل النادي، قال: فحضرته يومًا وأنشده بعضهم يصف ليلًا:

كأنّ شميطَ الصبح في أخرياته ... ملاءٌ يُنَقَّى من طيالسةٍ خُضْرِ

تخالُ بقاياه التي أَسْأَرَ الدجى ... تمدّ وشيعًا فوق أرديةِ الفجر فقام الشيخ كالمجنون مصلتًا سيفه حتى خالط البرك، فجعل يضرب يمينًا وشمالًا ويقول:

لا تفرغنْ في أذنيَّ بعدها ... ما يستفزّ فأريكَ فقدها

إني إذا السيف تولى مدَّها ... لا أستطيع بعد ذاك ردَّها

(1) صحيح مسلم 1: 301 - 302.

(2) ديوان المعاني 1: 354 - 355.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت