الخضر والفاكهة، فقلت له: (لا يا صاحبي، فأني أرى الحيوان أقواه آكل اللحم وأضعفه آكل النبات، وأنا أكره لنفسي أن أحيا حياة خروف. والعمر طوله أو قصره لا قيمة له، وليست العبرة بأيام تزداد في الأجل أو تنقص منه، فأنه إلى انتهاء على الحالين،(ومرجوع وهاج المصابيح رمدد) كما يقول الشاعر، ولأن يحيا المرء حياة قصيرة ولكنها قوية، خير ألف مرة من يعيش ألف سنة ويكون بغلًا أو حمارًا)
فضحك ولكني كنت جادًا ومن ذا الذي لا يؤثر أن يكون نمرًا على أن يكون ثورًا؟ أعني أن تكون له قوة النمر وصولته وبطشه، ولا بأس بالغدر والقسوة أيضًا، فأن لكل مزية ثمنها، وعسير أن تؤتي فضلًا وأن تسلم من عيب أو نقيصة؛ وإذا كان ثمن القوة القسوة أو الغدر، فأن ثمن الجمال الضعف، وهكذا في غير ذلك
وعلى ذكر ذلك إن الحب عند الحيوان تنزّ، وهو بين البدو شهوة تغري بالاستحواذ بالقوة أو الحيلة، ولكنه في ظل المدينة يستحيل حنين عاجزٍ، وصبوة حائرٍ، ولهفة ضائع، ودموع مفؤود، لا حيلة له ولا دواء من دائه إلا أن يرق له المحبوب ويحنو عليه كما تحنو الأم على طفلها الرضيع. والتماس معاني الجمال في الإنسان والحيوان والأشياء عنوان رقي ودليل على دقة الحس والتمييز، ولكنه أيضًا التماس لمعاني الضعف، وتطرٍّ من الإنسان، ونزوع إلى الأنوثة. وهذا كلام أحسب القراء سينكرونه ولا يقبلونه، ولعل منهم من يتوهمه إغراقًا في التخيّل، ولكنه الحقيقة - وسبيل المدينة هذا، ولا حيلة لي ولا لهم.
وأحسب أن في نفسي أثرًا من آثار البداوة، فأني أحب الصحراء وأكره هذه البني العالية ولا أرتاح إلى الفرش الوفير، وأمقت التعقيد وأوثر البساطة في كلُّ شيء؛ وقد أرتاب بعض أهلي في صحة عقلي لما تزوجت، لا لأني تزوجت، فما في ذلك من بأس، بل لأني قلت لهؤلاء الأهل لما أبلغوني أن صاحبهم يأبى أن يزوجني الصغرى قبل تتزوج الكبرى: (قولوا له أني سآخذها على الرغم منه إذا لم آخذها برضاه)
فعجبوا وقال قائلهم: (كيف؟ في أي عصر نحن؟ أم تريد أن تحدث حدثًا في الأسرة؟)
قلت: (كلُّ ما أعرفه أني أطلبها وأني سآخذها - خطفًا أو غصبًا أو سرقة - آخذها والسلام، فقولوا ما بدا لكم، وظنوا ما شئتم، ولكني أنصح لكم أن تردوا صاحبكم إلى الرشد)
فلم يسمع منهم، فكان أن أخذتها على رغم كلُّ أنف - إلا أنفها! ولم أخطفها ولم أسرقها،