بقلم محمد عبد الحميد
وأنت يا أمين ألا تتزوج؟
أنا؟ لا. لن. . .
بهذا الرد القاطع أجابني (أمين) يوم سألته وكنا في رفقة من الزملاء، نقطع الوقت بالحديث، وأغلب ما يدور حديث الشباب حول المرأة.
كان ذلك في أوائل سنة 1930، وكان (أمين) معاونًا في وزارة الأوقاف، مات والده قبل أن يبدأ مرحلة الدراسة الثانوية، وهو ما يزال صبيًا لم تثقله الحياة بهمّ أو تصبه بكارثة، فشاء أو شاءت له الظروف أن يختصر طريق التعليم، فلم يكد يقطع شهورًا في مدرسة مشتهر الزراعية، حتى لحقت أمه بأبيه.
قضى أمين زهرة حياته محرومًا من عطف أبيه وحنان أمه، لم تكد تتفتح نفسه، ويلمع بريق الحياة في عينيه، حتى ألفى نفسه وحيدًا، لا تضمه إلى صدرها أم، ولا يتولاه بالإرشاد أب. لم ينسكب في نفسه هذا النور الذي تشعه عيون الأمهات حنانًا ورحمة، وخرج إلى الحياة بقلب صلب لم تصهره قبلات الأم الحارة البريئة، ونفس جافة لم ترفقها شفقة الوالد ورعايته. كذلك أخوته الثلاثة قطعت الحياة بينهم وبينه، فلم يلمس حنان الأخوة، ذهب أولهم في بعثة إلى أوروبا لدراسة الطب، والتحق الثاني والثالث قبل وفاة أبيهما بوظائف الحكومة، وعاش كل منهما مع زوجته في منزل وحده.
وكذلك عاش أمين وحيدًا أكسبه جفاف حياته خشونة لم تكن تروق في أعين الذين يحتكون به، فكان صريحًا جافًا، لا يفكر في أحد من الناس، ولا يفكر في الاتصال به أحد من الناس.
غير أنه كان يضم في كيانه قلبًا حيًا نائمًا لم يتح له أن يثور، فرقت بيننا ظروف العمل، فنقل إلى مأمورية الأوقاف في طنطا، وهناك ولأول مرة بعد وفاة والديه اتصل برجل من أهله. فقد كان له في هذه المدينة (خال) لم يتصل به منذ صباه. زار منزل خاله، فرحب به أهل الدار: خاله وزوجته وابنه وابنته (زينب) ، وهي عذراء، أتمت السادسة عشرة من عمرها.