بقلم محمد قدري لطفي
ليسانسييه في الآداب
رجل من رجال الفن، خلق له وفطر عليه، لعل في سيرته الطريفة مثلا للموهبة الطبيعية، ترفع من شان صاحبها فتبلغ به الذروة وتجعله شيئًا مذكورا، يتحكم في حياة أمة بأسرها، فيبدل فيها ويغير منها، ويؤثر وحده في طبائع أهلها وما ورثوه من تقاليد، ويخلق فيها من العادات والفعال ما لم يكن بها وما ليس يخطر لأهلها على بال.
هو أبو الحسن علي بن نافع مولى المهدي الخليفة العباسي كان أسود اللون، حلو الشمائل، وكان شاعرًا مطبوعًا فصيح اللسان، لقبه قومه بزرياب تشبيهًا له بطائر عندهم أسود اللون، عذب الصوت، حلو التغريد، وكان زرياب رقيق الحس، دقيق الشعور، له حنجرة لم تخلق لغير الغناء، وأنامل كأنما أعدت للعود، ونفس تميل إلى الفن، وروح يهفو إلى الطرب، تتلمذ لأسحق بن إبراهيم الموصلي ببغداد يدرس عليه أصول الصناعة ويتعلم منه دقائق الفن، وكان اسحق يعلمه الأغاني ويلقنه الألحان، حتى إذا خلا زرياب بنفسه خلق من فن اسحق فنًا جديدًا، وهداه صفاء نفسه وسمو روحه إلى كل معجب مطرب، واسحق لا يعلم من أمر تلميذه شيئًا ولا يدري أنه أخذ منه فتفوق عليه.
وذهب اسحق إلى مجلس الرشيد يبعث فيه السحر كعادته وينطق فيه العود بالغناء الشجي والنغم العذب، والخليفة مصغ إليه معجب به، تأخذه حلاوة التوقيع وتروقه عذوبة الألحان، حتى إذا فرغ اسحق من غنائه التفت إليه الرشيد يثني عليه ويمدحه ويحادثه في صناعة الغناء، فما هو إلا أن يتشعب بهما الحديث حتى يقترح عليه الرشيد أن يسمعه مغنيًا غريبًا يجيد فنه ويحسن صنعته ممن لم يشتهروا عنده ولم تبلغ مكانتهم إليه، فيذكر له اسحق تلميذًا له قد علمه وأعجب به يتوسم فيه الإجادة وعلو الكعب في صناعة الغناء.
مثل زرياب أمام الخليفة فسأله عن معرفته بالغناء قال (نعم! أحسن منه ما يحسنه الناس وأكثر ما أحسنه لا يحسنونه. . . فان أذنت غنيتك ما لم تسمعه أذن قبلك) وأخذ يصف له عوده وما ركب عليه من أوتار لها في الترنم والصفاء والعذوبة ما ليس لغيرها وما أن يأذن له الرشيد حتى يوحي إلى عوده فيغنى معه: