وبعد هذه التقدمة، والتوطئة المهمة، فإني كنت قد وقفت على كتاب أجاز صاحبه في ثناياه الاحتكام إلى الطواغيت عند غياب حكم الله حالة الاضطرار، ولم يكن ليستوقفني ذلك المجيز لو كان قد اكتفى بالتجويز، إذ ليس هو فيما اختار بسابق، ولا مجرد خُلْفِهِ لما انتهضت حجته -عندي- بمستدع للتوقف، لكنه لما ضمّ إلى ما اختار حطًا شديدًا على الكبار القائلين بخلاف قوله، مع ما كَشَفهُ استدلالُهُ من تنكب لجادة الاستنباط، وسبيل الاستدلال، فدحضت به القدم إلى حُفرٍ أصولية، وعَلِقَ في ورطات علمية، فلم يكن والحالة تلك من البيان بُدّ، ولا من النَصَفَةِ ترك الرد [1] ، خاصة وأن من حرَّم الاحتكام إلى الطاغوت حالة الاضطرار كبارٌ محققون، ومن اشتهر منهم عنه ذلك قد غُيِّبَ في سجون المرتدين، وحيل بينه وبين كشف أباطيل الطاعنين.
فلهذا وذاك أزمعت رقم هاته الورقات، والنهوض لرد تلك الجهالات، وإن كان قد بدا لي أن أصدف عن إخراجها في حينها مع شبيهاتٍ لها أخريات، لمانعٍ قد قام في النفس، وقد رأيتُ اليوم إخراج هذه الورقة بعد معاينة ما يستدعي إخراجها في كلام بعض من أجاز التصويت للدستور المصري الكفري، إذ جعَلَ مِن خطأ من أخطأ في هذه القضية أصلًا يقيس عليه خطأه في قضية الدستور، وكأن قد صحَّت هذه وجفَّت في حكمها الأقلام، واتفق عليها أهل الذكر الأعلام، وأنّى!
وهذه المسألة وتلك ما كان ليغير وجه الحق فيها أن قال بخلافه بعض الفضلاء، من مشايخ الطائفة المجاهدة أو من غيرهم، فالحق لا يَتعرف لطالبه إلا بنفسه، والأغيار به تُعرف! وما انقلب الحق يومًا من الدهر إلى عدوة الباطل تشبثًا بأذيال عالمٍ قط كائنًا من كان! ولا هو انسلخ من جلد نفسه ليتقمص رداء ذلك الشيخ أو ذاك! بل مُنقلَبُ العلماء كافة إليه، وأقوالهم ومذاهبهم واختياراتهم تحت عتبة الحق مطَّرحة، وليس إلا ذاك!
وداعٍ آخر يتردد صدى صوته في أعماق النفس استحثاثًا لإخراج هذه الورقات! وهو أن معتاد حجج مجوِّزة التحاكم إلى الطواغيت للمضطر قد لاقت في الجملة ما يُقعد من استنهض بها! وذلك كاستدلالهم بقصة النجاشي رضي الله عنه، وبقصة يوسف عليه الصلاة والسلام، وأضراب هذه الاستدلالات، فأما الاستدلال بآيات من كتاب الله على تجويز الاحتكام إلى الطواغيت عند غياب حكم الله للمضطر، وتحميلها هذا المذهب، والشِّنعة على محرِّم الاحتكام بعدم الفهم بمدلول كلام الله، فلم أر - في حد اطلاعي- من عالج أو محّص حجة هذا المجيز، وكَشَفَ ما لا يسوغ في دين الله من فساد ذلك الاستدلال إلا كشْفُه!
(1) هذا ما قلته حين رقمت هذه الورقات قبل بضعة عشر شهرًا، وسيُداخلُ الكلامَ بعد هذا ما كتبته حال تهيئة الورقات للنشر.