على القول في دين الله بلا علم بنوعيهم، أولئك الذين نازعوه حقه وضادوا أمره إذ أفرد نفسه تعالى وتقدس بالحكم، ومنازعة الأول كذبًا وكفرًا وافتراءا، ومنازعة الثاني في ترك ائتماره بأمر الله وعصيانه له إذ لم يسأل أهل الذكر فيما لا يعلم، وتركَ فرض الله عليه في السكوت عما لا يعلم، فقال في دين الله بغير علم، فالكاذب المفتري عليه والجاهل المتعالم قد شاقّا الله، واشتركا في عدم توقيره وتعظيمه وإجلاله وتقديره حق قدره، فالأول تكذيبًا وعنادا، والثاني جهلًا وعصيانًا.
فها هو ربنا سبحانه قد بيَّن وأوضح، وأمر ونهى، وأوعد وحذَّر، حياطةً لحقه الخالص، وحماية له، فما أتعسه من يتقحم باب الفتوى والتوقيع عن رب العالمين، ولا يحتاط ولا يتقي إذ تقحم وتصدر أن يقول ما لا علم له به، فيقع فيما أوعد عليه الحكم العدل سبحانه.
وقد تكلم أهل العلم في بيان وصف من هو متأهل للفتوى، ومن هو إن أفتى وتكلم عمَّ بكلامه وفتواه البلوى! والناظر المتفحص لموطئ قدمه، المتقي لخالقه، الموقن بلقائه وجزائه، لا يواتي نفسه في محبتها أن يشار لها بالبنان، وتوسم بإمامة الهداية إلى صراط الرحمن، حتى يعرض نفسه ويسبر مخزونها بالذي بيّنه أهل العلم من شرط المتأهل لهذا المقام، واختباراتُ الضمائر معارك ليس ينتصر فيها إلا أولو الألباب والبصائر!
وإنك أيها الفطن اللبيب إن طالعت ذات اليمين وذات الشمال، وتفحصت في أولئك الذين شغلوا الناس بأسمائهم، وركبوا لإبرازها وإشهارها الصعب والذلول، أُورِثَ صدرك غمًا، وامتلأ كمدًا، من عِظَم ما تسمع! وهُزالِ ما ترى! وغثاثة ما تُبصر! إلا ما رحم ربي وقليل ما هم!
فكم شاعت وذاعت وطارت في السماء دعاوى، ما أسرع أن ائتفكت بأصحابها وهوت بهم في أسفل سافلين يوم أن تغشتها شمس الحقائق!!
ولم يكن الحق يومًا ليحابي أحدًا، أو يؤوي في رياضه محدثًا، أو يتستر على متسربلٍ سربال زيف! والعاقل من نأى بنفسه عما لا يُحسن، وألزمها مباعدة داعية الهوى، وليس إلا ذاك السالم!
ألا من أتبع نفسه هواها، وسيّبها له ترعى كما تشاء كلأ مُناها، فلم يأطرها بحَكَمَة التقوى، ولم يخش عليها سوء المنقلب والمأوى، فلا عليه ذيَّاك من سكرته أن يفيق! فما بعد الفسحة لمن تمادى غير الضيق! والله من وراء كل عبدٍ محيط.