عدد مؤثر، يؤثر في النفوس، ويؤثر في الأبدان، ويؤثر في الهمة والعزيمة، ولمّا حصل ما حصل بسبب هذا أنزل الله جل وعلا هذه الآيات، فيها توبيخ، وتعزير، وتنبيه، ونصح، وإرشادٌ للطريق الحق.
نهاهم الله جل وعلا عن الوهن، وعن الحَزن؛ لأن المؤمنين مهما حصل لهم من ابتلاء، ومهما حصل لهم من تأخر، فإنما هم الأعلون، وما يحصل لهم إنما هو بسبب أعمالهم، الله جل وعلا قال: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (139) إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ} ؛
لا تهنوا ولا تحزنوا، الوهن: يكون على البدن، والحزن: يكون على القلب، وهذا ليس نهيًا عنهما بالذات بنفسهما، إنما نهيٌ عنهما وعن أسبابهما، يعني ما الذي سبب الوهن والحزن؟ روح الهزيمة والخيبة، وأننا قُتل منا سبعون، عدد كبير! والمشركون يرون أنفسهم قد انتصروا في هذه المعركة وهزموا جيش المسلمين، إن مقتل سبعين صحابي في معركة واحدة في بداية بناء هذه الأمة أمر شديد على النفوس، فالله جل وعلا أنزل هذه الآيات؛ تسليةً للمؤمنين، وتنبيهًا لهم أنكم أنتم الأعلون، فلا تجعلوا روح الهزيمة والخيبة يدبُ إلى نفوسكم؛ لأن سبب هذا ضعف الإيمان؛ وهذا يجعل عندكم ضعفًا في الإرادة، وضعفًا في العزيمة فلن تستطيعوا أن تجاهدوا مرةً ثانية؛ لأن هذا هو الطريق، والله جل وعلا إذا أردا أن يتخذ من عباده شهداء، قيض لهم أسباب هذا، فأخذ منهم الشهداء، فهذا هو الطريق، فمهما يحصل للمسلمين من ابتلاء -وسيأتي الكلام عليه بالتفصيل- لكن مهما يحصل من ابتلاء في المعارك، سواءً هُزموا أو تأخروا، أو تقهقروا عن أماكنهم، أو انسحبوا، إنما عليهم أن يعلموا أنهم لا يجوز لهم الوهن ولا الحزن؛ لأنكم أنتم الأعلون، وعلوكم هذا ليس أي علو؛ لأن العلو عندنا علوّان:
1 -علوٌ محمود: وهو العلو بالإيمان.
2 -وعلوٌ مذموم: وهذا العلو بالدنيا، وبالمال، وبالجاه، وبالسلطان، هذا لا يجوز، هذا العلو لا يجوز.
إذًا يجب أن نعلم أن الإيمان مؤثرٌ في العزيمة والإرادة، وأن المؤمنين ما داموا متمسكين بإيمانهم ودينهم أنهم هم الأعلون؛ لأنهم يعبدون الله جل وعلا وحده لا شريك له، لا يتخذون شريكًا مع الله سبحانه