الصفحة 13 من 18

والآيات التي معنا اليوم هي من سورة آل عمران، قوله جل وعلا: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (139) إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) } [آل عمران] .

فهذه الآيات العظيمة نزلت لتعالج واقعًا معينًا في واقعةٍ مهمةٍ جدًا، مليئةٌ بالعبر والدروس، حريٌ بالإنسان المؤمن المجاهد أن يجلس مع هذه الآيات ويتدبر فيها؛ لأن فيها علاجٌ لكثيرٍ من مشكلات الجهاد المعاصر، وكثير من المشكلات التي تحصل في الجماعات المجاهدة، هذه الآيات فيها علاجٌ للنفوس، علاجٌ للعلاقة بين المجاهدين مع بعضهم، علاقتهم بالأصل الذي يجاهدون من أجله، فحريٌ بالمؤمن أن يجلس ويتفهّم ويتدبّر ما في هذه الآيات.

ونحن بإذن الله جل وعلا نمرُ على بعض ما فيها من الدرر باختصارٍ غير مُخل، ودون تطويلٍ ممل، إنما بعض التعليق، وبعض النقولات عن أهل العلم؛ لعل الله جل وعلا أن يُفيد بها السامعين.

قوله جل وعلا: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} ؛

كان سبب نزول هذه الآيات ما وقع في غزوة أحد مما حصل للمؤمنين من ابتلاءٍ؛ بسبب ما أرتكبهُ بعض الرماة عندما عصوا وخالفوا أمر النبي صلى الله عليه وسلم، كان في بداية الغزوة الصحابةُ رضوان الله عليهم قد تقدموا على المشركين ونالوا منهم، حتى ذُكر أنهم قتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين، وتأخر جيش المشركين كثيرًا حتى سقط لواءهم، وكان من عادات العرب في القتال في ذلك الوقت: أن سقوط اللواء -لواء الجيش- يعني انهزامهُ، فسقط لواء المشركين حتى لم يجدوا من يرفعه، حتى جاءت امرأةٌ من بينهم ورفعته، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد وضع على الجبل -في ظهر المسلمين- وضع الرماة وأمرهم أن لا يتركوا هذا الجبل، وقال: (حتى ولو رأيتم أن الطير تتخطفنا) .

لكن بعض الرماة لما رأوا تقدم جيش المسلمين ظنوا أن المعركة قد انتهت، فنزلوا من على الجبل، وذهبوا خلف المسلمين، وعصوا أمر النبي صلى الله عليه وسلم فتفطّن لهذا خالد بن الوليد -ولم يكن قد أسلم آنذاك- وقد كان رجل حربٍ ذكيٍ يعرف تدبير الحروب، فالتف على جيش المسلمين من الخلف، وقتل من المسلمين الكثير، حتى ذُكر أنه قُتل من الصحابة سبعون، وقيل خمسٌ وسبعون، وهذا عدد كبير جدًا، خاصةً في ذلك الوقت، عدد يؤثر في الصحابة، في بداية بناء دولة الإسلام، في بداية بناء هذه الأمة العظيمة، التي يبنيها النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه رضوان الله عليهم كان هذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت