فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 123

فإن قيل: فهذه مصلحة غريبة لا عهد بها في الشرع ولا بمثلها وحاصلها يرجع إلى مصاردة الخلق في أموالهم وهو محظور، نعلم حظره من وضع الشرع؛ ولذلك لم ينقل قط عن الخلفاء الراشدين قبل أن صارت الخلافة ملكًا عضوضًا وإنما أبدعها الملوك المترفون المائلون عن سمت الشرع.

قلنا: إنما لم ينقل عن الأولين ذلك لاشتمال بيت المال في زمانهم واتساع وجوه الرزق على أعوانهم، وقد نقل عن عمر بن الخطاب ضرب الخراج على أراضي العراق، فأصل الضرب ثابت بالاتفاق وإنما اختلاف العلماء في طريقه.

ثم الكلام الشافي للغليل هو: أن السائل إن أنكر وجه المصلحة فيما ذكرناه أبديناه وأريناه وقلنا إن لم يفعل الإمام ذلك تبدد الجند وانحل النظام وبطلت شوكة الإمام وسقطت أبهة الإسلام، وتعرض ديارنا لهجوم الكفار واستيلائهم ولو ترك الأمر كذلك فلا ينقضي إلا قدر يسير وتصير أموال المسلمين طعمة للكفار وأجسادهم دربةً للرماح وهدفًا للنبال ويثور بين الخلق من التغالب والتواثب ما تضيع بها الأموال، وتعطل معها النفوس وتُنتهك فيها الحرم، ونظام ذلك شوكة الإمام بعدته، وما يُحذر إلمامه من الدواهي بالمسلمين لو انقطعت عنهم شوكة الجند التي تستحقر بالإضافة إليها أموالهم.

فإذا رددنا بين احتمال هذا الضرر العظيم وبين تكليف الخلق حماية أنفسهم بفضلات أموالهم، فلا نتمارى في تعيين هذا الجانب.

وهذا مما يعلم قطعًا من كلي مقصود الشرع في حماية الدين والدنيا قبل أن نلتفت إلى الشواهد المعينة من أصول الشرع.

على أنا إن حاولنا إظهار هذا من شواهد الشرع وكشفنا عن ملائمته لنظره وجدنا في ذلك مضطربًا ولكن الحاجة إلى الاعتضاد بالشواهد والملائمة في اتباع مصلحة مظنونة يُتصور مخالفتها، وهذه مصلحة في الصورة التي فرضناها إن تُصورت قطعية من وضع الشرع لا تفتقر إلى شاهد من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت