المصالح فهل إليه من سبيل أم لا؟ قلنا: لا سبيل إليه مع كثرة الأموال في أيدي الجنود، أما إذا خلت الأيدي من الأموال ولم يكن من مال المصالح ما يفي بخراجات العسكر، ولو تفرق العسكر واشتغلوا بالكسب لخيف دخول الكفار بلاد الإسلام (كيف وقد دخلوا واحتلوا) أو خيف ثوران الفتنة من أهل العرامنة في بلاد الإسلام فيجوز للإمام أن يوظف على الأغنياء مقدار كفاية الجند.
ثم إن رأى في طريق التوزيع التخصيص بالأراضي فلا حرج، لأنا نعلم أنه إذا تعارض شران أو ضرران قصد الشرع دفع أشد الضررين وأعظم الشرين وما يؤديه كل واحد منهم قليل بالإضافة إلى ما يخاطر به من نفسه وماله، لو خلت خطة الإسلام عن ذي شوكة يحفظ نظام الأمور ويقطع مادة الشرور.
وكان هذا لا يخلوا عن شهادة أصول معينة، فإن لولي الطفل عمارة القنوات وإخراج أجرة الفصاد وثمن الأدوية، وكل ذلك تنجيز خسران لتوقع ما هو أكثر منه.
وهذا أيضًا يؤيد مسلك الترجيح في مسألة التترس لكن هذا تصرف في الأموال، والأموال مبتذلة يجوز ابتذالها في الأغراض التي أهم منها، وإنما المحضور سفك دم معصوم من غير ذنب سافك» المستصفى من علم الأصول (1/ 647) .
وقال رحمه الله أيضا في بيان المصلحة في ذلك: «فإن قال قائل: توظيف الخراج على الأراضي ووجوه الارتفاقات مصلحة ظاهرة، لا تنتظم أمور الولاة في رعاية الجنود والاستظهار بكثرتهم وتحصيل شوكة الإسلام إلا به. ولذلك لم يلف عصر خال عنه. فالملوك على تفاوت سيرهم واختلاف أخلاقهم تطابقوا عليه ولم يستغنوا عنه.
فلا تنتظم مصلحة الدين والدنيا إلا بإمام مطاع، ووالٍ متبع يجمع شتات الآراء ويحمي حوزة الدين وبيضة الإسلام ويرعى مصلحة المسلمين وغبطة الأنام، وليس يستتبّ ذلك له إلا بنجدته