الصفحة 19 من 26

أنه ليس كذلك تعلّلا بذلك واستراحة مما كان فيه من عظيم البلاء.

ونحوه قول كعب بن سعد الغنوي يرثي أخاه:

وداع دعا يا من يجيب إلى الندى ... فلم يستجبه عند ذاك مجيب

فقلتُ ادع أخرى وارفعِ الصوت دَعوةً .... لعل أبا المغوار منك قريب

يجبْك كما قد كان يفعل إنه نجيب لأبواب العلاء طَلوب

وقال النابغة يرثي النعمان:

فإن تحي لا أملُلْ حياتي وإن تمت ... فما في حياة بعد موتك طائل

ومن هذا الباب قول الرجل المحرق لبنيه: (إذا أنا مت فأحرقوني، ثم اذروا رمادي في اليم، فلعلي أضل الله، فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابا شديدا) .

ألا ترى أنه أخرج ما قد تحقق أنه لا يكون مخرجَ ما يرجى أن يكون، تعلّلا بذلك، واستراحة إليه، كما فعل امرؤ القيس حين اشتد به البلاء في قوله: (لعل منايانا تحولن أبؤسا) وهو لا يشك في أن الذي رجاه ممتنع.

ومن أبين ما في ذلك قول الآخر:

أخادع نفسي بالأماني تعللا ... على العلم مني أنها ليس تنفع .. »

وممن ذهب إليه الإمام أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله في الموافقات: (5/ 205)

وجوّزه القاضي عياض رحمه الله في شرح مسلم (8/ 256) ، والشفا بتعريف حقوق المصطفى (ص 859) : «وقيل: بل هذا من مجاز كلام العرب الذي صورته الشك ومعناه التحقيق وهو يسمّى تجاهل العارف وله أمثلة في كلامهم كقوله تعالى: {لعله يتذكر أو يخشى} وقوله تعالى: {وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين} » .

والظاهر أنه اختيار أبي العباس القرطبي (656 هـ) رحمه الله في المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم: 7/ 77.

وجوّزه العلامة صالح بن المهدي المقبلي (1108 هـ) رحمه الله: « .. على أنّ هنا احتمالات أخر: منها أنّ الخائف الذي استطار فؤاده يتشبث بما يعلم أنه لا ينفعه التشبث به لاسيما إذا تضمّن ذلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت