الصفحة 45 من 47

وإن قدم لطوارقه حذر المتيقظ وتلقاها بعدّة المتحفظ ردّ بادرتها بعزم ذي حزم قد حلب أشطر الدهر وقام بواضح عذره.

اعلم أن للحذر حدًّا يقف عنده، إن زاد عليه صار خورا، كما أن للإقدام حدًا إن زاد عليه صار تهوّرا. «والزيادة على الحدود نقص في المحدود» .

وللحذر والإقدام زمان إن خرجا عنه صار الحذر فشلا والإقدام خرقا، وعارهما معتبر بحزم العاقل ويقظة الفطن. «وأيدي العقول تمسك أعنة الأنفس» .

والحذر يلزم من وجوه:

أحدها: الحذر من الله تعالى فيما فرض.

والثاني: الحذر من الزمان فيما اعترض.

والثالث: الحذر من غلبة الأعداء ومكر الدهاة.

فأما الحذر من الله: فهو عماد الدّين الباعث على الطاعة، والحذر منه هو: الوقوف على أوامره، والانتهاء عن زواجره، فيعمل بطاعته فيما أمر، وينتهي عن معصيته فيما حظر.

فلن ترى قليل الحذر إلّا متجوّزا في دينه، طامحا في غلوائه، لا يرى رشدا في العاجل وهو على وعيد الآجل مع نفور النفس منه وسراية الذم فيه.

أما الحذر من الزمان: فإنه يتقلب بألوانه ويخشن بعد ليانه فيسلب ما أعطى ويفرّق ما جمع.

وحذرك منه يكون على وجوه أربعة:

أحدها: أن لا تثق بمساعدته، ولا تركن إلى مياسرته، فتغفل عن الحذر والاستعداد، فربّما انعكس فافترس، وخافض فاختلس.

الثاني: أن تنتهز فرصة مكنتك، بفعل الجميل، وغرس الصنائع، وإسداء العوارف، ليكونوا لك ذخرًا في النوائب وخلفًا في العواقب.

الثالث: أن تكفّ نفسك عن القبيح، وتقبض يدك عن الإساءة، لتكفى رصد الترات وغوائل الهفوات، فتأمن من وجلك، وتسلم من زللك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت