الصفحة 44 من 47

وإن كان نقص المواد من الجور أظهرت فيه العدل، وإن كان نقص المواد من النفور استحدثت فيه الرهبة.

وإن كان حدوث ذلك في السياسة صادرا عنك كنت مؤاخذا بتفريطك في الابتداء، ومستدركا لتقصيرك في الانتهاء، فجبرت إساءتك بإحسانك، ومحوت قبيحك بجميلك، وإن كان حدوثه من غيرك كانت جريرة الإساءة عليه.

ولمقاومة الأعداء أركان: وهي: تحصين الثغور واستكمال العدة وترتيب العساكر وتقدير الحدود.

واعلم أن من فعل ما شاء لقي ما لم يشأ. ومن استعجل بقبح المعاملة أوجع بقبح المقابلة.

وبادرة الانتقام أسرع من ظهور الإنعام.

«والخير لا يأتيك مجتمعا *** والشرّ يسبق سيله مطره»

الحذر، والاحتراس:

قال جل ذكره: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل} فأمر بالاستعداد مع الأمر بالتوكل في قوله: {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} وقال جل ذكره: {إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا} أي تحرزوا منه. وقال: {يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا} فقد أمر الله بملابسة أسباب الاحتياط والحذر من الكفار في غير موضع من كتابه وهو يستلزم التأهب لهم بإعداد الأسلحة والعدد والأخذ بالخدع الحربية وتكثير العدد بالنفير في سبيله.

وأمر به رسول رب العالمين، وكان يطوف على القبائل ويقول: «من يؤويني وينصرني حتى أبلّغ رسالات ربي» [1] .

وكانت له جماعة يحرسونه من العدوّ حتى نزل قوله: {والله يعصمك من الناس}

ودخل مكة وعلى رأسه المغفر وظاهر يوم أحد بين درعين تحصنا من البأس وتشريعا للأمة.

يقال الدهر ثائر بطوارقه منافر بنوائبه، يغدر من وفى، ويقتل إن هفا، من أعرض عن الحذر والاحتراس وبنى على أمره على غير أساس زال عنه العزّ واستولى عليه العجز.

(1) حديث صحيح. رواه الإمام أحمد والبزار وابن حبان وغيرهم من حديث جابر بن عبدا لله رضي الله عنهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت