ثم تجمع بينهما بين الحزم والعزم، فالحزم تدبير الأمور بموجب الرأي، والعزم تنفيذها للوقت المقدّر لها، فإذا تكاملت شروط الإقدام من هذه الوجوه الأربعة لم يمنع من الظفر إلا عوائق القدر.
وإن انثلم شرط من شروطه صار الإقدام تغريرًا يمنع من حزم العاقل ويصدّ عن الظفر، ما لم يغلب قدر، والأقدار ليست بقياس معتبر في السياسة.
والإقدام قسمان:
أحدهما: الإقدام على اجتلاب المنافع.
والثاني: الإقدام على دفع المضارّ.
فأما الإقدام على اجتلاب المنافع فضربان:
الأول: استفادة ملك.
والثاني: استزادة أملاك.
وأما استضافة الملك: فيكون بالحزم والعزم إذا اقترنا برغبة ورهبة ولأن تكون بالاغتيال والاحتيال أولى من أن تكون بالقتال فإن «الحرب خدعة» [1] .
وأما استزادة المواد: فيكون بالعدل والإحسان إذا اقترنا برفق ومياسرة، لتكثر بهما العمارة وتتوفر بهما الزراعة، فإن الأرض كنوز الملك يستخرجها أعوان متطوّعون، يقنعهم الكفّ عنهم، ويقطعهم العسف بهم.
ولا تحمل حوائج عمرك كله على يومك الذي أنت، فيه فيضيق عليك ويشغلك القنوط عن التدبير، واحذر العجلة فيراك الناس مسيئا.
وأمّا الإقدام على دفع المضار فضربان:
الأوّل: دفع ما اختلّ من السلطان. وللاختلال سببان: نفور، وجور.
فادفع ضرر كلِّ واحدٍ منهما بالضدّ من سببه، فإنّ علاج كلِّ داء بضدّه من الدواء.
فإن كان اختلال الملك من الإهمال أيقظت له العزم، وإن كان ذلك من العجز استعملت فيه الحزم.
(1) متفق عليه: البخاري (3030) ، مسلم (1739) .