واعلم أن من التمس الرخصَ والموافقةَ من الإخوان في الآراء فقد غشّ وخان، كما أنّ من فعل ذلك في الفقه أخطأ في الأحكام، ومن فعله في الطب زاد في الأسقام.
ينبغي أن تنفرد مع كل مشير على حدة، وتسمع ما يشير به، ولا تحدث به الآخر، فإذا اجتمعت الآراء محّصتها اختبارا، ونقّحتها اختيارا، واستخرت الله تعالى في أحدها، ثم اجمع الجماعة وفاوضهم في جميع ذلك ولم تعيّن لهم أصحاب الآراء ثم فاوضهم فيما ترجّح عندك حتى تتفق معهم عليه.
فإن خالفوك استشر غيرهم فإن خالفوك فوافقهم، إذ الجمع من العقلاء أبعد عن الخطأ من واحد.
وإذا عارضك في رأيك أحدهم فلا تجبه بالرّد أو المعارضة بل استوضح منه وأمعن النظر فيه، فإن الفكر والتأني محمود العواقب.
وإذا لم تحمد عاقبة رأي فلا تعاقب صاحبه ولا تفنّده، فإن الأمر اجتهاد، ولا دَرَك على مؤتمن، قال صلى الله عليه وسلم: «المستشار مؤتمن» [1] .
وعلى المستشار أن ينصح لله ولدينه ولمسلمين رعاة ورعية، فإن الدين النصيحة كما قال عليه السلام.
وقال جرير بن عبد الله رضي الله: «بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة والنصح لكل مسلم» [2] .
وفي الخبر: «ومن أشار أخيه إلى أمر يعلم الرشد في غيره فقد خانه» .
ومتى ظهر الرأي السديد عند صعوبة الأمر واشتداده وجبت المبادرة إلى العمل وإلا أعقب تأخيره سوء العاقبة، وحدوث الندم. وقال جل ذكره: {فاستبقوا الخيرات} {فإذا عزمت فتوكل على الله} قال صلى الله عليه وسلم: «العجلة من الشيطان إلا في عمل الخير» .
«إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة * فإن فساد الرأي أن يتردّدا» .
قال الإمام أبو بكر الطرطوشي: «ومن أقبح ما يوصف به الرجال ملوكا كانوا أو سوقة: الاستبداد بالرأي وترك المشاورة» .
(1) خرّجه أهل السنن إلا النسائي بسند صحيح، أبو داود (5128) ، الترمذي (2822) ، ابن ماجه (3745) .
(2) رواه البخاري (2715) ، ومسلم (56) ، وأبو داود (4945) .