استشر زمن السلم والهدنة الحليمَ الساكن، وزمنَ الفتن والحروب الشجاعَ الصارمَ.
شاور ذوي الرأي والتجربة فإنهم أعلم بمصارف الأمور وتقلّبات الدهور، وأطعهم وتحمّل منهم إن خشنت العبارة ولم تهذّب عند كشف فساد الرأي لما ترجوه من حالة تُصْلح، وفتق يُرْتَق، فإن من جرّعك المرارة لشفائك أشفق من أطعمك الحلاوة لسقامك.
شاور قبل أن تقدم، وتمكّن قبل أن تندم، ولا خير في الرأي الفطير.
ولا بدّ أن يجمع المشير أربعة أمور: الدين، والعقل، والمودّة، والنصح، وكل من كان بغير هذه الصفة فهو الداء الدفين.
وأخرى: وهي العلم بطبع المشير فإن الجهل بذلك يؤدي إلى الضرر فإن المشير إنما يشير بما يناسب طبعه فإن كان متوهّنا مقداما أشار بالاقتحام على غير بصيرة.
وإن كان جزعا منهزما أشار بقبول الضيم والمهانة.
وإن كان يقظا حازما حارسا حُوّلًا قُلَّبا أشار بما ينتظم به التدبير وتصلح به الأمور وتسد به الثغور.
قال الإمام ابن حزم رحمه الله: «إذا نزلت بالملك معضلة ليس عنده فيها يقين شاور من أصحابه وولاة جنوده من يرجو عنده فرجا من ذلك.
ويشاور في الحروب أهل الحروب وسياستها، ويسأل عن كل علم أربابه، ولا يتكّل على رأي أحد، ولا يطلعهم على ما يختاره من رأيهم، فإذا انقضى ما عندهم أنفذ ما رآه بما سمع منهم أو من رأي نفسه إن رآه صلاحا». الشهب اللامعة في السياسة النافعة (ص 155)
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «والواجب أن يعتبر في أمور الجهاد برأي أهل الدين الصحيح الذين لهم خبرة بما عليه أهل الدنيا، دون أهل الدنيا الذين يغلب عليهم النظر في ظاهر الدين، فلا يؤخذ برأيهم، ولا برأي أهل الدين، الذين لا خبرة لهم في الدنيا» [1] .
اعدل عن مشورة من قصد موافقتك متابعة لهواك، أو اعتمد مخالفتك انحرافا عنك، واعتمد على من توخّى الحق والصواب لك أو عليك.
(1) المستدرك على مجموع فتاوى ابن تيمية (1/ 174) .