الصفحة 34 من 47

اجمع بين الخشونة واللين، فتخشن على القويّ حتى تلين عريكته، وتلين على الضعيف حتى ينال من الإنصاف بغيته.

ليكن فيك طلاقة مع تشدّد كيلا يجترأ عليك بالطلاقة وينفر منك بالتشدّد.

ومع هذا فاعلم أن من أهمّ قواعد السياسة الإلهية ثلاث: اللين وترك الفظاظة، والمشاورة، وألا يستعمل على الأعمال والولايات راغب فيها ولا طالب لها {فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين} . {واخفض جناحك للمؤمنين} {واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين}

وفي الصحيح [1] : «إن الرفق ما كان في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه» .

اجمع بين حسن السمت والوقار من غير عبوس، والبشر من غير ضحك، وإلا تبسما من غير فضول، ولا تتكلم إلا في خير.

توقّ مما لا تحتمله قلوب الرعية إن لم يلزم، قال عمر بن عبد العزيز: «إني لأجمع أن أخرج للمسلمين أمرا من العدل، فأخاف ألا تحتمله قلوبهم فأخرج معه طمعا من طمع الدنيا، فإن نفرت القلوب من هذا سكنت إلى هذا»

كن مقدامًا على المخاوف، جسورًا على الأهوال، إن اضطررت إليها محجما عن التقريرات إن منع الرأي السديد عنها.

وإذا رأيت جامع المال لنفسه فأبعده فلا خير فيه لأن حب المال يغطّي على العقل ويمنع عن مشاهدة المصالح. وكذلك راغب الصيت والذكر لنفسه مع إهمال السياسة.

وبالجملة: حال الرعية وحال الأمير كفتان فتصرّف في حالك بالزيادة والنقصان حتى يعتدل الميزان. واعلم أن جهد المقلّ خير من عذر البخيل. والعتاب الظاهر خير من الحقد الباطن. وأنه ليس من العدل سرعة العذل.

القاعدة التاسعة: في مشورة أهل الرأي:

عليك بالاستشارة، قال تعالى معلّما نبيه صلى الله عليه وسلم: {وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكّل على الله} ووصف المؤمنين فقال: {وأمرهم شورى بينهم} .

(1) مسلم (2594) ولفظه: إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت