الصفحة 31 من 47

وقال أبو العباس ابن تيمية رحمه الله: «فإن التهلكة والهلاك لا يكون إلا بترك ما أمر الله به، أو فعل ما نهى الله عنه، فإذا ترك العباد الذي أمروا به، واشتغلوا عنه بما يصدهم عنه من عمارة الدنيا هلكوا في دنياهم بالذل، وقهر العدو لهم واستيلائه على نفوسهم وذراريهم وأموالهم، وردّه لهم عن دينهم وعجزهم حينئذ عن العمل بالدين، بل وعن عمارة الدنيا وفتور هممهم عن الدين، بل وفساد عقائدهم فيه.

قال تعالى: {ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردّوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} إلى غير ذلك من المفاسد الموجودة في كل أمة لا تقاتل عدوّها سواء كانت مسلمة أو كافرة، فإن كل أمة لا تقاتل فإنها تهلك هلاكا عظيما باستيلاء العدوّ عليها وتسلّطه على النفوس والأموال. وترك الجهاد يوجب الهلاك في الدنيا كما يشاهده الناس وأما في الآخرة فلهم عذاب النار» [1] .

وإذا رأيت أمر الإمارة جاريا على العدالة مجانبا للفسوق والجهالة فاعلم أن تلك نعمة طائلة، وإذا رأيت الجور فاشيا مظهرا والعدل مطّرحا منكرًا فاعلم أن تلك نعمة زائلة.

كن بحال الرعية خبيرا وإلى أحوالهم متطلعا، لأنهم من بين تسوسه أو تستعين به لتعلم ما فيه من فضل ونقص وعلم وجهل وخير وشر، وتتحرّز من غرور المتشبه وتدلّس المتصنّع فتعطي كل واحد حقه.

لا تقصر بذي فضل ولا تعتمد على ذي جهل. وافرق بين الأخيار والأشرار فإن ذا الخير يبني وذا الشرّ يهدم.

واحذر الكذوب فلن ينصحك من غشّ نفسه، ولن ينفعك من ضرّها، فإن من جهل قدره فهو لقدر غيره أجهل، ولا تعتمد على عاجز فيضيع العمل ولا شَرِهًا فيضرك باحتجانه [2] .

واختبر أحوال من استعملته، لتعلم عجزه من كفايته، وإحسانه من إساءته، فتعمل بما علمت من إقرار الكافي، وصرف العاجز، وحمد المحسن، وذم المسيء. ومن استكفى الكفاة كفي العداة.

فإن التبس عليك أمرُ الرعية أوهنت الكافي، وسلّطت العاجز، وأضعت المحسن وأغريت المسيء.

ولأن يكون العمل شاغرا ينصرف إليه فكرك أولى من أن يباشره عاجز أو خائن فيقبح بهما أثرك، فاحذر العاجز، فإنه مضيع، وتوقّ الخائن فإنه يكدح لنفسه.

(1) جامع المسائل لابن تيمية (5/ 327)

(2) الاحتجان: الاستبداد بالمال واجتذابه إليه، ومن المجاز: احتجن بالمال احتجانا إذا ضمّه إلى نفسه واختصّ به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت