إذا أحسنت القول فأحسن الفعل ليجتمع لك مزية اللسان، وثمرة الإحسان، فإنك لا تخلو في خُلْفِه من ذنب تكتسبه أو عجز تلتزمه.
وليكن فعلك أكثر من قولك، فإن زيادة القول على الفعل دناءة وشين. وزيادة الفعل على القول مكرمة وزين.
واعلم أن ترك الذنب أيسر من الاعتذار.
لا تحدّث من تخاف تكذيبه، ولا تسأل من تخاف منعه، ولا تَعِدْ بما لا تقدر على إنجازه، ولا تضمن ما لا تثق بالقدرة عليه، ولا تُقدِمْ على أمر تخاف العجز عنه.
القاعدة الخامسة: في العفو والصفح:
اعف عمن ظلمك إلا من بغى.
قال جل ذكره: {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدّت للمتقين* الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين} آل عمران (133 - 134) .
{والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون * وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين* ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل* إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم* ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور} . الشورى (39 - 43)
أحق الناس بالعفو من كان أقدر على العقوبة، فالعفو يوجب المحبة، والرفق بالرعية يوجب الطاعة، والفتنة تنشّط الضغائن، والنعمة تُسْتدام بلزوم الشكر مع اطراح الهوى والمعاصي.
ولا ينبغي التجاسر على سفك الدماء المعصومة بالتأويل الفاسد، ولا التورّع البارد في المأمور بإراقتها، والسنّة بين السيّئتين.
ومن استعجل في العقوبات ندم، ومن اتبع أحكام الشريعة سلم، ومن ظلم ظلم.
لا تعلن عقوبة من لم يعلن بذنبه، فتكثر اللائمة، لأن النصح بين الملأ تقريع بل اجعل لذنب السرّ عقوبة السرّ، ولذنب العلانية عقوبة العلانية إلا في الحدود المأمور بإعلانها ولتكن عقوبتك للأدب لا للغضب.