الصفحة 27 من 47

واعلم أن أوهن الأعداء كيدًا أظهرهم بعدواته، فخذ بالأناة ما استقامت لك. واقبل على العافية ما وُهِبَتْ لك ولا تعجل مناجزة العدوّ ما وجدت إلى الحيلة سبيلا.

لا تسأمنّ من مطاولة العدوّ، فإن لك في الإبطاء انتظارًا لفرصة وظفرًا بعورة.

توقّ طلب الظفر باللقاء، فإنه لا يكاد ينال إلا بالأخطار.

وإن دعت الضرورة إلى المناجزة بعد الإعذار والإنذار فأيقظ لها عزمك، واستعمل فيها حزمك، وأقدم عليها بعد الاستخارة متّبعا للدّين مستعملًا للعدل، فلن يعدل عنهما إلا مصروع، «من سلّ سيف البغي أغمد في رأسه» .

تفكر قبل أن تعزم، وتبيّن قبل أن تهجم، وشاور قبل أن تقدم.

احذر التفريط في الأمور اتكالا على القدر فإن لكل شيء سببا يجري إليه، فسبب النُجْحِ العمل، وسبب الخيبة التفريط. «والحوائج تطلب بالعناء وتدرك بالقضاء» .

وإذا وضعت الحرب أوزارها على ظفر وغلبة فاصفح وتألف لأنهم في الحال الأولى أعداء وفي الثانية خول وإخوان، فأبدل بالغضب رحمة، وبالأذى إحسانا.

من فعل الخير فبنفسه بدأ، ومن فعل الشرّ فعلى نفسه جنى {من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد} .

وفي الخبر الصحيح: «ما من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخّر له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم [1] » .

«سهم الظالم يرجع إليه لأن عقوبته تسرع إليه» .

خذ حذرك من القبائل والطوائف لأنها ترى أنها بودأت بالإساءة فصبرت. وجوهرت بالعداوة فأخفت. فلها ترة مظلوم ووثبة مختلس فتوقّ ترة ظلامتها بالاستعطاف، وتوقّ وثبتها بالاحتراز.

غالط بها الأيام فإن الساعات تهدم الأعمار، ولا تجعل لها فراغا تتشاغل فيه بالمؤامرة والتدبير.

ولا تضيّق عليها فتنافر، لأن المضطر جسور، بل ارخ لها عنان الأمل.

(1) رواه أبو داود (4902) ، وابن ماجه (4211) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت