وبمنزلة الطبيب الذي يسقي المريض الدواء الكريه، وبمنزلة قطع العضو المتآكل والحجم وقطع العروق بالفصاد ونحو ذلك. بل بمنزلة شرب الإنسان الدواء الكريه وما يدخله على نفسه من المشقة لينال به الراحة.
فلهذا شرعت الحدود وهكذا ينبغي أن تكون نية الوالي في إقامتها فإنه متى كان قصده صلاحَ الرعية والنهيَ عن المنكرات بجلب المنفعة لهم ودفع المضرة عنهم وابتغى بذلك وجه الله تعالى وطاعة أمره = ليّن الله له القلوب وتيسرت له أسباب الخير وكفاه العقوبة اليسيرة وقد يرضى المحدود إذا أقام عليه الحد.
وأما إذا كان غرضه العلوَّ عليهم وإقامة رياسته ليعظّموه أو ليبذلوا له ما يريد من الأموال = انعكس عليه مقصوده». [1] .
القاعدة الثالثة: في سياسة الرعية:
اجْرِ أمرَ الرعية على ما ألفوه من عادات ومعاملات، لأن الناس بعضهم لبعض خدم وإن لم يعلموا، لا يقدر الواحد منهم القيام بحوائجه، فإن البارئ خالف بين هممهم لينفرد كل قوم بنوع منها فيأتلفوا بها، يقوم الزارع بمزارعهم ويتشاغل الصناع بصنائعهم والتاجر على متاجرهم، ولا تعارض صنفا منهم في مطلبه لأنه وهن في حقوق السياسة وقدح في شروط الرياسة ما لم يخالف الشرع المنصوص والمصلحة المرعية.
«والأصل في هذا: أن لا يحرّم على الناس في المعاملات التي يحتاجون إليها إلا ما دلّ الكتاب والسنّة على تحريمه، كما لا يُشْرع لهم من العبادات التي يتقرّبون بها إلى الله إلا ما دل الكتاب والسنة على شرعه إذ الدّين ما شرعه الله، والحرام ما حرّمه الله» [2] .
أيها المجاهد: إن اختلال أمور الرعية من نتائج الإهمال، وللرعية عليك حقوق ثلاثة:
أحدها: أن تعينهم على صلاح معاشهم ووفور مكاسبهم لتتوفر بهم المواد وتعمر بهم البلاد، وفي الخبر الصحيح: «خير الناس أنفعهم للناس» [3] .
«من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل» [4] .
(1) السياسة الشرعية ص 125 - 126).
(2) السياسة الشرعية (صـ 220) .
(3) رواه الطبراني في الكبير (12/ 452، رقم: 13646) ، وفي الأوسط (6/ 58، رقم: 5787) ، والقضاعي في مسند الشهاب (2/ 223، رقم: 1234) .
(4) رواه الإمام مسلم (2199) .