وهذا الإحسان في حق الله وفي حقوق عباده وإحسان كل شيء بحسبه فأما حق الله ففعل ما أمر به على وجه كمال واجباتها وهذا القدر من الإحسان واجب فيها.
أما الإحسان فيها بإكمال مستحباتها فليس بواجب.
والإحسان في المحرّمات: الانتهاء عنها وترك ظاهرها وباطنها كما قال تعالى {وذروا ظاهر الإثم وباطنه إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون} الأنعام: (120)
فهذا القدر من الإحسان واجب.
وأما الإحسان في الصبر على المصائب فأن تأتي الصبر عليها من غير تسخّط ولا جزع.
وأما في حقوق العباد ففعل ما أوجب لهم من الإحسان وترك ما لا يجوز من الإساءة والقدر الزائد على الواجب في ذلك كله إحسان ليس بواجب.
وعلى هذا فمن الإحسان ما يجتمع مع العدل و منه ما يرفع العدل وهو ظلم في الحقيقة وإن كان فيه نفع لشخص مثل نفع أحد الشريكين إعطاءً أكثر من حقه، ونفع أحد الخصمين بالمحاباة له، فإن هذا ظلم وإن كان فيه نفع قد يسمّى لغة إحسانا لا شرعا.
فالعدل واجب في كل الأمور، والإحسان قد يكون واجبا، وقد يكون مستحبا، ففي الحكم بين الناس والقسم بينهم ما ثمّ إلا العدل، والعدل بينهم إحسان إليهم.
وفيما بينك وبين الناس مستحب بفعل المستحبّات من الابتداء بالإحسان الذي ليس بواجب كالعفو عن حقك ويدخل في قوله: {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} الأعراف: (199) .
وبالجملة: فالإحسان إليهم جلب ما ينفعهم ودفع ما يضرّهم.
والظلم: ضد الإحسان وهو محرّم في نفسه مطلقا ولا يخرج عن ظلم في الدين وظلم في الدنيا وقد يجتمعان.
فالأول: كالكفر والابتداع: {يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم} لأن المشرك يجعل المخلوق في منزلة الخالق في شيء من خصائص الألوهية. قال ابن رجب رحمه الله: «وأكثر ما ذكر في القرآن من وعيد الظالمين إنما أريد به المشركون كما قال تعالى: {والكافرون هم الظالمون} ثم يليه المعاصي على اختلاف أجناسها من كبائر وصغائر» . وهذا ظلم المرء لنفسه.