الصفحة 19 من 47

لكن الإحسان لا يكون إحسانا إلا بعد العدل وهو أن لا يحصل بالعفو ضرر فإذا حصل منه ضرر كان ظلما من العافي إما لنفسه وإما لغيره فلا يشرع.

لأن الأول حق الخلق عليه، والثاني حق له عليهم، فعلى كل منهما على صاحبه أن يوفّيهم العدل الذي عليه وليس عليه أن يستوفي العدل منهم بل قد يستحب له الإحسان بتركه.

وعلى الإنسان أن يكون مقصوده نفع الخلق والإحسان إليهم مطلقا وهذا هو الرحمة التي بعث بها محمدا صلى الله عليه وسلم في قوله جل ذكره: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} .

وقال صلى الله عليه وسلم: «أنا رحمة مهداة» [1] .

والرّحمة يحصل بها نفع العباد وشرعت العقوبات للاحتياج إلى دفع الظلم وعلى المقيم لها أن يقصد بها النفع والإحسان كما يقصد الوالد بعقوبة ولده والطبيب بدواء المريض.

والعدل في الأموال: أن تأخذ بحقها وتدفع إلى مستحقها لأنك في الحقوق سفير مؤتمن وكفيل مرتهن عليك غرمها ولغيرك غنمها.

والعدل في الأقوال: أن لا تخاطب الفاضل بخطاب المفضول، ولا العالم بخطاب الجهول، ولا المجاهد المدافع عن الملة وكرامة الأمة بخطاب الداريّ المتكحّل، وتقف في الحمد والذم على حسب الإحسان والإساءة، ليكون إرغابك وإرهابك على وفق أسبابهما من غير سرف ولا تقصير.

والعدل في الأفعال: أن لا تعاقب إلا على ذنب، ولا تعفو إلا عن إنابة، ولا يبعثك السخط على اطراح المحاسن، ولا يحملك الرضا على العفو عن المساوي، وكما لا تستوي الحسنة ولا السيئة كذلك لا يستوي المحسن والمسيء.

اجعل جزاء الأفعال بحسبها من إحسان وإساءة.

لا تجعل للغضب سلطانا على نفسك يخرجك من الاعتدال إلى الاختلاف، فلن يسلم بالغضب رأي من زلل وكلام من خطل، لأن ثورته طيش معرّ، ونفرته بطش مضرّ، لأنه يخرجك عن التأديب إلى الانتقام. ولذا قيل: أول

(1) رواه ابن أبي شيبة في المصنف (32442) ، وغيره. ولفظه: إنما أنا رحمة مهداة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت