الصفحة 4 من 4

هذا ولا أعرف لهم مسألة سواء كانت أصلية أو فرعية لم يسبقوا إليها، وإن وجدت على التحقيق فهم كغيرهم من الأئمة المجتهدين كالأئمة الأربعة وغيرهم من المجتهدين. يقول الحافظ الذهبي رحمه الله: «ولا ريب أن الأئمة الكبار تقع لهم مسائل ينفرد المجتهد بها ولا يعلم أحد سبقه إلى القول بتلك المسألة، قد تمسّك فيها بعموم، أو بقياس، أو بحديث صحيح عنده والله أعلم» . تذكرة الحفاظ (2/ 1152) .

نعم، لا يقدح في اجتهاد المجتهد لعدم اشتراط علم المجتهد أن حكمه غير مخالف للإجماع، بل «الواجب على المجتهد أن لا يعلم مخالفة حكمه للإجماع لا أن يعلم عدم مخالفته للإجماع وبينهما فرق، لأن المعنى الثاني يقتضي أن يعلم موافقة حكمه للإجماع أو وقوع الخلاف، ولو كان هو الواجبُ لكانت الواقعة الحادثة للمجتهدين إذا لم يُعلم فيها تقدم إجماع ولا خلاف أن يمتنع الحكم فيها عليهم مع وجود الدلائل الشرعية غير الإجماع على الحكم وهذا باطل فتعين: أن المجتهد ينظر إلى المستند الذي يبني عليه الحكم الشرعي ويعتبر شرائطه ومنها أن لا يخالف الإجماع في نفس الأمر» شرح الإلمام لابن دقيق العيد (3/ 634)

وما اشتهر عن بعض الأئمة: «إياك أن تتكلم بمسألة ليس لك فيها إمام» ليس دعوة إلى التقليد ولا منعا للاجتهاد في النوازل والمصير إلى موجب الدليل وإنما هو في الحث على الاتباع. قال الإمام أبو عبد الله ابن حامد رحمه الله في تأويل هذا: «والأشبه عندي أن سائر الفقه والأصول سواء، وأن له إيقاع الجواب عند الاضطرار ونزول الحادثة أنه يجتهد فيما يوجبه الدليل بذلك وإن كان بالقول منفردا، كما أن إمامنا (أحمد بن حنبل) صار في الأصول إلى ظاهر التنزيل وإن خالفه الملأ أجمعون» . تهذيب الأجوبة (ص 18) .

يظهر أن المحاضر لم يعدّ الكلمة كما ينبغي، وأنها غير مهذبة، كما يظهر اضطراب الأفكار المطروحة فيها، وعدم وضوح الهدف إلا أن يكون زعزعة ثقة الناس وطلبة العلم بمناهج المشايخ وبعقيدتهم أو تسجيل الابتداع عليهم من طرف خفي لأن الكلام مجمل عائم لا يستند إلى واقع ولا إلى أمثلة حية تروي الغليل وتشفي العليل. ومما زاد الطين بلة والطنبور نغمة أنها جاءت في صدد الدعوة إلى التحرّر والاستقلال عن أفكار المشايخ الثلاثة رحمهم الله.

الأولى: لم يذكر للسلفية تعريفا لغويا ولا اصطلاحيا رغم أهميته لأن عنوان وموضوع الكلمة: تعريف السلفية وتجلية حقائقها وواقعها ولم يفعل وهو سقوط في بداية الطريق لكن ذكر في الحوار الآنف الذكر بأنها: «الاتباع والاقتداء للسلف الصالح وأولهم وأفضلهم الصحابة ثم الذين يلونهم في القرون الثلاثة ثم الأقرب فالأقرب من بعدهم» .

الثانية: تقسيم السلفية إلى سلفية عامة قديمة في القرون الأولى الفاضلة يجب اتباعها في العقيدة والعمل، وإلى سلفية خاصة متأخرة معاصرة أسّسها ابن تيمية.

وسبق أن قال في الحوار: « .. الاصطلاح العرفي للسلفية في الأزمنة الأخيرة فإنه إذا أطلق هذا الاسم فإنما ينصرف إلى مدرسة الشيخ ابن تيمية وتلميذه ابن القيم الجوزية ثم جاء بعدهما بقرون الشيخ محمد بن عبد الوهاب» .

إشارة إلى أن سلفية المشايخ الثلاثة لا يجب اتباعها في العقيدة والعمل وسيأتي تصريح الشيخ بهذا لاحقا!

الثالثة: أنه بعد البحث والدراسة لم يجد لابن تيمية منهجا خاصّا وأصولا ومبادئ أصّلها للسلفية المتأخرة لتنطلق منها السلفية المعاصرة.

وفيه إبطال وهدم للتقسيم، فإذا لم يكن له منهج خاص تتبنّاه السلفية المعاصرة فما هي المدرسة السلفية التي أسّسها؟ وما وجه التقسيم السالف لأن التقسيم يقتضي التغاير بينما يقتضي عدم الأصول والمنهج الخاص التوحّد وعدم التعدّد؟

الرابعة: أنه بعد الدراسة لكتب ورسائل وفتاوى وردود ابن تيمية على خصومه توصّل إلى أن من منهج ابن تيمية ما هو مأخوذ من الكتاب والسنة والسلف الصالح. ومنه اجتهادي حاول ابن تيمية من خلاله معالجة الأوضاع الدينيه والانحرافات العقدية والعملية.

وهذا أيضا عود إلى الابطال والهدم من وجه آخر حيث قرّر أن له منهجا خاصا في معالجة الأوضاع والانحرافات الدينية فيكون ابن تيمية من خلاله متبعا ومخترعا في آن واحد! رغم تصريحه بأن السلفية المعاصرة ما هي إلا امتداد لسلفية ابن تيمية.

الخامسة: أن كثيرا من السلفية الاجتهادية التي كان يعالج بها الأمراض العقدية والعملية لم يعرفها السلف الصالح ولا لهم فيها رأي لأنه أمر حدث بعدهم بل هي من اجتهادات ابن تيمية ولا علاقة للسلف بها أصلا. وسبق له في التعليق على الحوار أن قال في سلفية المشايخ: « .. اجتهادات من عند أنفسهم، وهذا النوع كثير في هذا المنهج، ومن هذه الجهة يصيبون أو يخطئون كغيرهم من العلماء، وكذلك في تفسير النصوص»

وهذا أيضا نداء صريح بأن شيخ الإسلام والشيخين أتوا من العقائد والأقوال وتأويل النصوص ما لم يأت به السلف وأن له منهجا خاصا في ذلك. كيف يتوافق هذا مع ما مرّ من أنه ليس له منهج خاص وأفكار معينة تنتهجها السلفية المعاصرة وكيف يكون مؤسسا لها وهي متبعة له في سلفيته وليس له منهج وأصول خاصة؟

السادسة: ذكر الشيخ «علي ورسمي» أنّ هذه الاجتهادات التيمية لا يمكن أن تكون من السلفية لأنه لا علاقة لها بالسلف وذكر أن هذه الاجتهادات تبدو جلية في ردوده على خصومه. والسؤال الذي يطرح نفسه كما يقال: ما هي الاجتهادات التي لا يمكن أن تعتبر من السلفية ولا علاقة للسلف بها؟ هل هي مسألة الطلاق الثلاث التي مثّل بها في آخر المحاضرة؟

السابعة: إذا كان ما أخذه ابن تيمية من الكتاب والسنة وأقوال السلف من السلفية المعتبرة عند الشيخ علي ورسمي فمن أين أخذ ابن تيمية السلفية الاجتهادية؟

فإن كانت مأخوذة من مصادر التشريع كانت سلفية معتبرة يجب اتباعها كالأولى بناء على تقرير الشيخ.

وإن لم تكن مأخوذة من تلك المصادر فهي من الباطل المردود فكيف تعتبر سلفية؟

وإن كان المراد بالسلفية الاجتهادية الوسائل الدعوية وآلات تبليغ الرسالة فالوسائل لا تعتبر عند أهل العلم من المنهج العلمي والعقدي ولا علاقة لها بالسلفية.

الثامنة: ذكر أكثر من مرة في سياق التهوين من ردود شيخ الإسلام على خصوصه أنه ردّ على الفلاسفة والرافضة حتى ردّ على النصارى ...

في إشارة إلى تهمة تضييع الزمان الصفدية وليست وليدة اليوم ولا من إبداع الشيخ علي بل قديمة أثارها بعض أعداء الشيخ بغيًا وحسدًا كابن السراج الدمشقي والتقي السبكي وخليل بن أيبك الصفدي. قال التقي السبكي عن كتاب «منهاج السنة النبوية» لما وقف عليه:

إن الروافض قوم لا خلاق لهم من أجهل الناس في علم وأكذبه

والناس في غنية عن ردّ إفكهم لهجنة الرفض واستقباح مذهبه

وقد ردّ عليه العلامة يوسف بن محمد السرّمري (776 هـ) وتجد المنظومتين في مقدمة كتاب منهاج السنة (1/ 119) .

وقال الصفدي لما ترجم لابن تيمية: «وضيّع الزمان في ردّه على النصارى والرافضة ومن عاند الدين أو ناقضه، ولو تصدّى لشرح البخاري أو لتفسير القرآن العظيم لقلّد أعناق أهل العلوم بدرّ كلامه النظيم» أعيان العصر وأعوان النصر (1/ 236) .

ذاك الصفدي الذي يمدح كتب الخرافة مثل (كتاب السياسة في علم الفراسة) لشيخ الربوة (727 هـ) قال فيه مادحا: «فجاء حسنا إلى الغاية» . ويدافع عن صحبة رتن الهندي ذلك الشيخ الكذاب المفتري المتوفى (632 هـ) بالاحتمال العقلي وأن عمره كان حين مات (650 عاما) ويقول: «والإصرار على إنكار ذلك دليل على الجهل» . سلوة الغريب لابن معصوم (ص 267 - 268) .

وقد أحسن الحافظ الذهبي الرد على هذه الفرية ومن روائع كلامه: «فمن صدّقه في دعواه فبارك الله في عقله ونحن نحمد الله على العافية» .السير (22/ 367) (3/ 467) تاريخ الإسلام وفيات (632 هـ ص 99) .

ويقول الحافظ ابن حجر في الجواب عن الاحتمال العقلي: «وليس النزاع فيه وإنما النزاع في تجويز ذلك من قبل الشرع بعد ثبوت حديث المئة في الصحيحين» الإصابة (2/ 538)

وقال ابن جماعة في التعليق على تذكرة الحفاظ: «هذا الذي ذكره شيخنا الذهبي هو الحق، وما صدّر به الصفدي من تجويز الوقوع لا يقتضي الوقوع، فكم من جائز ليس بواقع. وأما إنكار التردد فيه والشك فخبط لا يلتفت إليه، والصواب عدم التردد في بطلانه وليس الصفدي من رجال هذا المقام» سلوة الغريب وأسوة الأريب (270 - 271) .

ويدافع الصفدي أيضا عن الشيخ الضال ابن عربي الطائي ويعتقد ولايته مادحا كتابه «الفتوحات الربانية» وقد ذهب جمع غفير من علماء الأمة في القرن السابع والثامن والتاسع إلى تكفيره وطائفته.

وأما أهل التحقيق فقد قدّرو قيمة كتب ابن تيمية حق قدرها بل اعتبرها بعضهم بأنها فتح لا يوصف ولا يعبّر عنه كما قال ابن عبد الهادي في العقود الدرية.

ويقول ابن القيم عن (درء تعارض العقل والنقل) : «إنه كتاب لم يطرق العالم له نظير في بابه فإنه هدم فيه قواعد أهل الباطل من أسّها فخرت عليهم سقوفه من فوقهم وشيّد فيه قواعد أهل السنة والحديث وأحكمها ورفع أعلامها وقرّرها بمجامع الطرق التي يعرف بها الحق من العقل والنقل والفطرة والاعتبار فجاء كتابا لا يستغني عنه من نصح نفسه من أهل العلم عنه فجزاه الله عن أهل العلم والإيمان أفضل الجزاء وجزى العلم والإيمان عنه كذلك» طريق الهجرتين (1/ 328)

ويقول ناظما رحمه الله:

فاقرأ تصانيف الإمام حقيقة شيخ الوجود العالم الرباني

واقرأ كتاب القعل والنقل الذي ما في الوجود له نظير ثان

وكذا جواب للنصارى فيه ما يشفي الصدور وإنه سفران.

وقرأت أكثرها عليه فزادني والله في علم وفي إيمان.

وينقل ابن كثير رحمه الله فصلا من الجواب الصحيح فيقول: «وسلك فيها مسالك حسنة صحيحة منتجة بكلام بليغ يخضع له كل من تأمله وفهمه» . ويقول عن كتاب منهاج السنة: «أتى فيها بما يبهر العقول من الأشياء المليحة الحسنة وهو كتاب حافل» البداية والنهاية (14/ 130) (6/ 72) .

التاسعة: أخذ هذه الاجتهادات التيمية (البدعية طبعا) التي لم يعرفها السلف تلميذه ابن القيم بلا استثناء وذكر أنه لا يعرف أنه خالف شيخه في مسألة معتبرة.

في سياق التهوين من أمر الإمام ابن القيم واللمز من استقلاله العلمي، والمعروف عند أهل العلم أن الإمام ابن القيم رحمه الله لم يكن مقلدًا لشيخه، وإنما كان مجتهدًا متبعا لما يترجح عنده من الأدلة، وقد خالف شيخه في مسائل أصلية وفرعية نظرا للأدلة. من تلك المسائل:

المسألة الأولى: اختار ابن القيم أنه لا يجوز حمل المشترك على معنييه أو معانيه لا بطريق الحقيقة ولا بطريق المجاز. واختار شيخه ابن تيمية جواز ذلك. (جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على خير الأنام ص 167 - 168) زاد المعاد (5/ 605 - 608) الفتاوى الكبرى (6/ 578 - 579) مجموع الفتاوى (13/ 340 - 341) و (31/ 177) (15/ 11)

المسألة الثانية: اختار ابن القيم أن الواو تفيد الترتيب إذا كان كل واحد من معطوفاتها مرتبطا بالآخر بينما يختار شيخه رأي أكثر العلماء وأنها لمطلق الجمع والتشريك. (بدائع الفوائد 1/ 69 - 70) مجموع الفتاوى (21/ 382) (31/ 66، 146) (16/ 77) .

المسألة الثالثة: اختار ابن القيم أن «ثمّ» حقيقتها الترتيب والمهلة. واختار ابن تيمية أنها لمطلق الترتيب. (مختصر الصواعق ص 382 - 383) مجموع الفتاوى (31/ 151 - 152، 158) المسودّة (2/ 677) دلالة الألفاظ عند شيخ الإسلام (1/ 246 - 253) . الاختيارات الأصولية لابن القيم (1/ 52) .

المسألة الرابعة: اختار ابن القيم أن دلالة مفهوم الموافقة قياسية وأطلق عليها لفظ قياس الأولى وتارة يسميها قياسا جليا. واختار شيخه التفصيل وأنها تكون تارة لفظية وتارة قياسية. أعلام الموقعين (1/ 130، 138، 312، 374) (4/ 100) بدائع الفوائد (4/ 45، 129) زاد المعاد (5/ 99) تهذيب السنن (5/ 133) مجموع الفتاوى (15/ 445 - 447) ]

المسألة الخامسة: خالف شيخه في تأويل قوله تعالى {الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} حيث رجّح خلاف ما رجحه شيخه ابن تيمية.[كتاب الروح (1/ 56 - ) مجموع الفتاوى (5/ 453) (4/ 275) الرد على المنطقيين (485)

المسألة السادسة: يرى شيخ الإسلام اختصاص وجوب فسخ الحج إلى العمرة بالصحابة ورجّح ابن القيم عدم اختصاصه بالصحابة وأنه عام ولم ينسخ وهو مذهب ابن عباس. قال ابن القيم بعد مناقشة حجج القائلين بالخصوصية: «وأنا إلى قوله أميل مني إلى قول شيخنا» . زاد المعاد (2/ 176 - 181)

المسألة السابعة: اختار ابن تيمية أن علة الربا كونها مطعوم جنس مكيلا أو موزونا ورجّح ابن القيم أنها الاقتيات قائلا: «وطائفة خصّته بالقوت وما يصلحه وهو قول مالك وهو أرجح هذه الأقوال كما ستراه» . أعلام الموقعين (2/ 137) والاختيارات الفقهية للبعلي (ص 127) .

المسألة الثامنة: اختار ابن تيمية عند اشتباه ماء طاهر بنجس التخيير والوضوء من أيهما شاء. واختار ابن القيم التيمم. [بدابع الفوائد (3/ 1255) وإغاثة اللهفان (1/ 321 - 322) ]

المسألة التاسعة: خالف ابن القيم شيخه ابن تيمية في قوله تعالى: {ولله المشرق والمغرب} هل هي من باب الصفات أم لا؟ [طريق الهجرتين (1/ 42) مختصر الصواعق المرسلة (2/ 174 - 188) الضوء المنير على التفسير (1/ 242 - 244) .

والسؤل الملحّ: هل مخالفة شيخ الإسلام مقصودة عند الشيخ علي ولو بالباطل؟ أم أن الواجب مخالفة الشيخ فيما تبيّن أنه خطأ من حيث الدليل؟

وكذلك الأئمة الدعوة النجدية لم يقلّدوا الشيخين (ابن تيمية وابن القيم) يقول إمام الدعوة رحمه الله: (الذي نعتقده وندين به ونرجو أن يثبتنا الله عليه أنه لو غلط هو - شيخ الإسلام - أو أجل منه في هذه المسألة وهي مسألة المسلم إذا أشرك بالله بعد بلوغ الحجة أو المسلم الذي يفضل هذا على الموحدين أو يزعم أنه على حق أو غير ذلك من الكفر الصريح الظاهر الذي بيّنه الله ورسوله وبيّنه علماء الأمة أنّا نؤمن بما جاءنا عن الله وعن رسوله من تكفيره ولو غلط من غلط .. ) . مؤلفات الشيخ الإمام (1/ 290) .

ويقول الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد رحمه الله: (وعندنا أن الإمام ابن القيم وشيخه إماما حق من أهل السنة والجماعة، وكتبهم عندنا من أعزّ الكتب، إلا أنا غير مقلّدين لهم في كل مسألة، فإن كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا نبيّنا صلى الله عليه وسلم ومخالفتنا لهما معلومة في عدة مسائل .. ) الدرر السنية (7/ 285) .

العاشرة: جاء بعدهما بقرون الشيخ محمد بن عبدالوهاب ولم يكن هناك حركة دعوية قبله وجاء على فترة من دعوة ابن تيمية وفي زمن أصعب وأشدّ من زمنهما مع استفادته من كتبهم واجتهاداتهم.

يعلم أهل الاختصاص أن الدعوة إلى التوحيد الخالص ومحاربة البدع الشركية لم تتوقف فقد كانت جماعة من أهل العلم في الهند كالعلامة السرهندي وكذا في اليمن كالعلامة صالح بن المهدي المقبلي والعلامة الأمير الصنعاني ومحمد بن حسين النعمي الزبيدي ولم يتميز ابن عبد الوهاب عنهم إلا بالنفوذ والشوكة التي اكتسبها من مساندة ابن سعود رحم الله الجميع.

وهذا الخطأ التاريخي طال حتى تاريخ دخول الدعوة السلفية إلى الصومال حين أرخها الشيخ علي ورسمي بعام (1981 م) في الحوار.

والمعروف عند أهل العلم أن الدعوة إلى التوحيد ومحاربة الشرك وصلت إلى الصومال في بدايات الدعوة التوحيدية النجدية قبل انتشارها في جزيرة العرب وكان في الصومال في تلك الحقبة جماعة تدعو إلى التوحيد الخالص وتحارب الشرك كما في الدرر السنية في الأجوبة النجدية (9/ 254) .

وكان الشيخ علي بن عبد الرحمن (مجيرتين) من علماء القرن الثالث عشر الهجري يدعو إلى التوحيد وتطيبق شرع الله في ربوع الصومال محاربا البدع الشركية في المناطق الوسطى ثم انتقل إلى منطقة شبيلي السفلى وهو أول من صرّح من علماء الصومال بأن الشيخ محمد بن عبد الوهاب مجدّد القرن الثاني عشر الهجري حسب الاطلاع.

وهكذا توالت الجماعات الداعية إلى التوحيد وخلع الأنداد والطواغيت حتى انتهى الدور إلى جماعة أنصار السنة المحمدية والتي انتشرت دعوتها في الصومال منذ عام (1357 هـ) بفضل «مجلة الهدي النبوي» وبجهود العلماء الداعين إلى الله من أشهرهم الشيخ نور الدين بجالكعيو، والشيخ محمد بن علي بافضل الحضرمي مؤسس مدرسة الفلاح العربية في مقديشو، والشيخ محمد عوض باحشوان صاحب المكتبة العربية في مقديشو.

وكان كتاب «هداية المستفيد إلى أحكام التوحيد» للشيخ نور الدين يباع في العاصمة بسعر زهيد جدا (خمس شلن صومالي) وكانت الطعبة الأولى في عام (1961 م) .

ومن العلماء الذين ساهموا في بناء صرح التوحيد الشيخ يوسف حيلى رحم الله الجميع.

وتوقيت الشيخ علي ورسمي السالف يعني الإنكار لتلك الجهود المباركة كما يوحي باختزال الدعوة السلفية الصومالية في نشاط الجماعة الاعتصامية التي ترأسها الشيخ علي ورسمي قرابة عقدين من الزمن.

الحادية عشرة: ذكر أن ابن عبد الوهاب جاء بدوره باجتهادات أخرى، ولم يكن له من العلم الراسخ والخبرة ما كان لابن تيمية وابن القيم.

فيه تلميح إن لم يكن تصريحا إلى أن الاجتهادات المنسوبة إلى السلفية كثرت بعد ابن عبد الوهاب بسبب اجتهاداته.

وهذا باطل من القول واتهام سافر لا مستند له من الواقع يقول العلامة عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: «والشيخ رحمه الله لا يعرف له قول انفرد عن سائر الأمة ولا عن أهل السنة والجماعة منهم وجميع أقواله في هذا الباب اعني ما دعا إليه من توحيد الأسماء والصفات وتوحيد العمل والعبادات مجمع عليه عند المسلمين لا يخالف فيه إلا من خرج عن سبيلهم وعدل عن منهجهم» مصباح الظلام في الرد على من كذب على الشيخ الإمام (ص 21 - 22) .

وفيه أيضا: من اللمز والتقليل من علم الشيخ وقدرته المعرفية إن لم يكن شهادة بالجهل على الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله وقد شهد له بخلاف ذلك المحققون من أهل العلم وكتبه المنتشرة بين الناس شاهدة أيضا.

الثانية عشرة: خصوم ابن عبد الوهاب كانوا أكثر وأخطر من خصوم الشيخين فوقع في ردوده من أجل ذلك ما لا يستحسن بل ألجأه الأمر والضعف العلمي أن يردّ الخصوم بما ليس بشيء في الميزان العلمي بل هو من الغثاء والقش!.

تصريح بأنّ ردود الشيخ محمد على خصومه المشركين فيها الغثّ والمتهافت وما هو خارج عن العلم والتحقيق، وفيه من التهوين والتقزيم ما الله به عليم. والذي يعرفه أهل الاختصاص بأن ردود الشيخ على خصومه المشركين وكذلك استنباطاته العلمية من القوة والمتانة بمكان. ولو تفضّل الشيخ ولو بمثال واحد لاتضح لك البطلان وسوء التقدير لكن الشيخ اعتاد كيل التهم للشيوخ وجعل الكلام مجملا عائما.

الثالثة عشرة: خالف ابن عبد الوهاب الشيخين في العنف والشدّة (غير الشرعية) وكان ذلك من منهجه حقيقة.

ظاهر العبارة: التقرير والشهادة على الشيخ بالغلو في الدين والاعتساف في الحق وأن منهجه مخالف لمنهج السلف لأنه متسم بالعنف والشدة غير الشرعية طبعا.

وهذا أمر باطل اختلقه أعداء الدعوة التوحيدية وأبطلها الشيخ نفسه وأبتاعه أيّما إبطال.

يقول العلامة عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: «والشيخ رحمه الله لا يعرف له قول انفرد عن سائر الأمة ولا عن أهل السنة والجماعة منهم وجميع أقواله في هذا الباب اعني ما دعا إليه من توحيد الأسماء والصفات وتوحيد العمل والعبادات مجمع عليه عند المسلمين لا يخالف فيه إلا من خرج عن سبيلهم وعدل عن منهجهم» مصباح الظلام (ص 21 - 22) .

الرابعة عشرة: كان من منهج ابن عبد الوهاب رحمه الله: التكفير والقتال وكان ذلك واقعًا بالطبع.

شهادة أخرى على الشيخ محمد رحمه الله بأن من منهجه التكفير والقتال البدعي لأنها جاءت في سياق النقد والمراجعة وتصحيح المسار {ستكتب شهادتهم ويسألون} وهذا افتراء على الشيخ رحمه الله وقد فنّدها بنفسه وكذلك أبناؤه وأحفاده.

يقول العلامة عبد اللطيف رحمه الله: «والشيخ محمد رحمه الله من أعظم الناس توقفا وإحجاما عن إطلاق الكفر حتى أنه لم يجزم بتكفير الجاهل الذي يدعو غير الله من أهل القبور أو غيرهم إذا لم يتيسر له من ينصحه ويبلغه الحجة التي يكفر مرتكبها» منهاج التأسيس والتقديس في كشف شبهات داود بن جرجيس (ص 65 - 66) .

ويقول عن منهج الشيخ في التكفير: «فإنه لا يكفّر إلا بما أجمع المسلمون على تكفير فاعله [1] من الشرك

(1) قلت: يحتمل أن هذا اختيار الشيخ محمد بن عبد الوهاب، والأظهر أنه إخبار عن الواقع والحال وليس تقييدا للتكفير بالمجمع عليه لأن التكفير حكم شرعي تؤخذ من حيث تؤخذ الأحكام، والإجماع من الأدلة الشرعية ولا دليل على التقييد. كيف وقد اختلف أهل العلم في تكفير تارك الصلاة والزكاة والصوم والحج والساحر والسكران والكاذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم والصبي المميز ومرجئة الفقهاء ..

قال الإمام الحافظ ابن عبد البر رحمه الله: «الواجب في النظر أن لا يكفّر إلا من اتفق الجميع على تكفيره، أو قام على تكفيره دليل لا مدفع له من كتاب أو سنة» .التمهيد (23/ 369) جعل رحمة الله الإجماع من أدلة التكفير ولم يحصر فيه.

ويقول أبو حامد الغزالي رحمه الله: «الكفر حكم شرعي كالرق والحرية مثلا؛ إذ معناه: إباحة الدم والحكم بالخلود في النار. ومدركه شرعي فيدرك إما بنص، وإما بقياس على منصوص» . فيصل التفرقة بين الزندقة والإسلام (ص: 47، 89 - 90) وبغية المرتاد لابن تيمية صـ 345.

ويقول الغزالي رحمه الله أيضا: «ولا ينبغي أن يظنّ أن التكفير ونفيه ينبغي أن يدرك قطعا في كل مقام، بل التكفير حكم شرعي يرجع إلى إباحة المال وسفك الدم والحكم بالخلود في النار، فمأخذه كمآخذ سائر الأحكام الشرعية» . المصدر السابق (ص 89 - 90) .

والضابط فيه: تحقق السبب المكفِّر شرعا من العاقل المختار، ثم تختلف المذاهب في الشروط والموانع. قال أبو عبد الله المقري رحمه الله: «كل ما دلّ على الكفر أوجب الحكم بردّة من ظهر عليه» . الكليات الفقهية (ص 193) فقرة (492) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت