الصفحة 3 من 4

لا أدرى ما هي الأسباب التي أدّت إلى الهجمة الشرسة على المشايخ الثلاثة من قبل المنتسبين إلى السلفية لكن ينتابني شعور بأن للشيخ علي ورسمي عقدة و نفرة ما تجاه المشايخ لأنه ينتقدهم في غير منتقد ولا يذكر لانتقاده مدعما غير الاتهامات المرسلة من غير زمام ولا خطام والاستشهاد بدعاوى الأعداء.

والأشدّ من هذا أنه ينقل بتلطّف شبهات الخصوم من أهل الشرك والتجهم والإرجاء ولا يأتي بشيء جديد من تلك الدراسة والبحث المزعوم.

قد يقول لي أحدكم: قد تكون لشيخ الجماعة شهوة انتقاد الكبار من غير حفيظة كامنة في النفس تجاه المشايخ؟ فأقول: لو كان الأمر كما زعمتَ لانتقد غيرَهم لكن تخصيص اللمز بهم في صورة انتقاد طلية هذه المدة (1997 - 2013 م) مما يثير الشكوك.

ولعل ما أثار المحفظِات استفادة التيارات الجهادية المعاصرة، ومن أسماهم بالتكفيريين من تراث الشيوخ الثلاثة. يقول الشيخ علي ورسمي في هذا السياق: « .. حركة الشباب والتكفيريون استغلوا تلك المؤلفات ونحن وقعنا في التقليد الأعمى ولم نأخذ من الكتب ما يتناسب مع واقعنا» .وهذا يوحي أن استفادة الجهاديين والتكفيريين من مؤلفات الشيوخ أوغر صدر الشيخ، أو أثار الحفائظ فلم يكن بدّ من انتقادهم بل من إسقاطهم بالأحرى!

مما يعزّز هذا تبرّمه من اتّباع الجماعة لمنهج المشايخ في سياق التنفير من تفسيراتهم للنصوص الشرعية فيقول: « .. لم نجهد أنفسنا في بحث مواقف العلماء المتقدمين من السلف واكتفينا بتفسيرات الثلاثة وقصرنا الحقيقة على أفكار الثلاثة» . وهذا كالصريح في أن المشايخ أتوا في تفسير النصوص ما يخالف الحقيقة عند علماء المتقدمين من السلف!!

وقد يندرج في هذه الأسباب: الثقة المتزايدة من طلبة العلم في الشيوخ وبمناهجهم وتأويلاتهم العلمية المجانبة لمناهج أهل الأهواء والبدع ولهذا عدّ الشيخ عليّ ورسمي الاقتصارَ على ذكر أقوال المشايخ في سياق سرد أقوال العلم في المجالس من الغلو في الدين! وأظن الشيخ يغلو في مفهوم التقليد والتعصّب.

بين يدي الرّد والنّقد لمزاعم الشيخ علي ورسمي:

ينبغي أن يكون القارئ على ذكر من المسائل الآتية التي تمحور كلام الشيخ المجمل العائم فيها:

المسألة الأولى: منهج السلف ومذهبهم في المسائل لا يعرف إلا من طريقين:

الأول: بالنقل لأقوالهم بالأسانيد الثابتة.

الثاني: بنقل من هو خبير بأقوالهم من العلماء المعتبرين.

وهناك طريق ثالثة يستعملها بعض المنتسبين إلى السنة من أصحاب الكلام وبعض الفقهاء وهي اعتبار دلالة الكتاب والسنة فإذا استقام الدليل على قول أو رأي جعلوه مذهبا للسلف لكون السلف لا يخرجون عما لزم من دلالة الكتاب والسنة.

وهذا خطأ ظاهر لأنه تقرير للمذهب بالفهم والاستدلال لا بالنقل، وهو من أخص موجبات غلط المتأخرين على السلف الصالح. انظر لتقرير هذا الأصل: «بيان تلبيس الجهمية» (8/ 537 - 539) «مجموع الفتاوى» : (4/ 151 - 152) .

المسألة الثانية: ضابط الغلو في الدين وحقيقته.

إن الغلو في معناه اللغوي يدور حول تجاوز الحد وتعديه.

أما الحقيقة الشرعية فهو مجاوزة الاعتدال الشرعي في الاعتقاد والقول والفعل.

وقيل: تجاوز الحد الشرعي بالزيادة على ما جاءت به الشريعة سواء في الاعتقاد أم في العمل. يقول ابن تيمية رحمه الله: «الغلو مجاوزة الحدّ بأن يزاد في الشيء في حمده أو ذمه على ما يستحق ونحو ذلك» اقتضاء الصراط (1/ 289) .

وقال سليما بن عبد الله رحمه الله: «وضابطه: تعدّي ما أمر الله به وهو الطغيان الذي نهى الله عنه في قوله: {ولا تطغوا فيه فيحلّ عليكم غضبي} » تيسير العزيز الحميد (ص 256) .

وله أسباب كثيرة يجمعها: الإعراض عن دين الله وما جاءت به الرسل عليهم السلام.

والمرجع فيما يعدّ من الغلو في الدين وما لا يعتبر منه: كتاب رب العالمين وسنة سيد المرسلين لأن الغلو مجاوزة الحدّ الشرعي فلا بدّ من معرفة حدود الشرع أولًا، ثم ما خرج عنه من الأفعال والأقوال والاعتقادات فهو من الغلو في الدين، وما لم يخرج فليس من الغلوّ في الدين، وإن سمّاه بعض الناس غلوا؛ لأن المقصّر في العبادة قد يرى السابق غاليا بل المقتصد، ويرى العلماني والليبرالي الإسلاميّ غاليا، والقاعد المجاهدَ غاليا، وغيرُ المكفِّر المكفّرَ لمن كفّره الله ورسوله غاليا، كما رأي أبو حامد الغزالي تكفيرَ القائلين بخلق القرآن من الغلو في الدين مع أنه مذهب السلف!.

المسألة الثالثة: الأئمة لم يخرقوا إجماعا، ولم ينفردوا بمسألة، فإن وجد فلا عيب في التفرّد في الاجتهاديات.

لا يُعرف لابن تيمية وابن عبد الوهاب مسألة خرقوا فيها إجماع الأمة، فمن ادعى ذلك فهو إما جاهل أو كاذب. قال العلامة برهان الدين إبراهيم بن محمد الجوزية رحمه الله: «لا نعرف له (ابن تيمية) مسألة خرق فيها الإجماع، ومن ادعى ذلك فهو إما جاهل وإما كاذب، ولكن ما نسب إليه الانفراد به ينقسم إلى أربعة أقسام ... » اختيارات ابن تيمية الفقهية (ص 9 - 10) .

ويقول العلامة عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: «والشيخ (ابن عبد الوهاب) رحمه الله لا يعرف له قول انفرد عن سائر الأمة، ولا عن أهل السنة والجماعة منهم، وجميع أقواله في هذا الباب أعني ما دعا إليه من توحيد الأسماء والصفات وتوحيد العمل والعبادات مجمع عليه عند المسلمين، لا يخالف فيه إلا من خرج عن سبيلهم وعدل عن منهجهم» مصباح الظلام (ص 21 - 22) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت