الصفحة 19 من 46

ومن مات في الهيجا شهيدًا فقد مضى:: إلى جنة ملئ بطيب الرغائدِ

مضى أبو زياد -رحمه الله- و لكنه ترك فينا فضلًا عن بذله وعطائه وشجاعته الكثير من الخصال حريٌ بكل مجاهدٍ أن يتأملها و أن يجمع منها ما يطيق.

فتشبهوا بهم إن لم تكونوا مثلهم:: إن التشبه بالكرام فلاحُ

فلقد كان -رحمه الله- صموتًا منصتًا قليل الكلام يعرف ذلك كل من عرفه أو عاشره فلا يضيع وقته في المراء ولا يكدر نفسه في الجدال يُغضي حياءًا ويفيض احترامًا لإخوانه خاصةً ممن يكبرونه سنًا أو يفوقونه خبرةً وعلمًا.

أما عن بره بوالديه وعطفه على إخوته فنحن أمام بحرٍ زاخر من البر و الحنان والمحبة والتذلل للأهل والخلان، فحق له والله أن يكون لنا القدوة التي تقتدى والمثال الذي يحتذى.

ولقد كنت أهمس في آذان الإخوة حين أرقب مناقبه و أقول لهم: إنه نادرةٌ من نوادر العصر، قليلٌ أمثاله شحيحٌ أقرانه لا يذكرنا إلا بسلف الأمة الكرام، فمن لي بذلك يا حبيب القلب و يا رفيق الدرب!

عاش هيثم المعطاء غريبًا لم ينل من متاع الدنيا إلا القليل، ففي الوقت الذي كان بإمكانه أن ينضوي تحت أحد التنظيمات الفلسطينية التي توفر لمثله راتبًا كبيرًا وسيارةً حديثة ًومستقبلًا واعدًا إلا أنه ارتضى عناء الطريق فنالت منه أشواكها وتلقفته عثراتها، فكانت تتراكم عليه الأعباء والديون، ولم يتيسر له الزواج منذ سنوات، ويومها لم يهنأ حتى بزواجه الذي لم يمض عليه سوى ثلاثة شهور، لكننا نحسب أنه نال قد من الهناء ما لم يهنأ به إلا أقارنه الشهداء، فهنيئًا لك يا أبا زياد. فقد كان ذلك قبسًا يسيرًا من سيرة نيرةٍ لأسدٍ مقدام.

أما إذا تحدثنا عن الخاتمة فأنعم بها من خاتمة إن شاء الله، فلقد رحل أبو زياد إلى ربه شهيدًا -كما نحسبه والله حسيبه- حين نالت منه طائرات الغدر اليهودي الحاقد، فتسربل بدمائه وأشلائه المتناثرة على ثرى أكناف بيت المقدس، فكان في رحيله تذكيرٌ لكل السائرين في هذه الطريق بالنهاية التي يجب أن نستعذبها و نستشرفها بل ونتمناها كما تمناها من قبلنا سيد الأولين و الآخرين عليه أفضل الصلاة و التسليم.

فأنعم بالشهادة مغنمًا وجزاءًا، وهنيئًا لك ما ضفرت به يا أبا زياد، والله نسأل أن يلحقنا بك على خير، ويجمعنا بك في مستقر رحمته وظل عرشه يوم لاظل إلا ظله.

وهذه نهايات الشهيد لذلكم:: قتيل الشرى يشهى كرور المشاهدِ

فأعظم بها عقبا تضوع روحها:: وفاحة بمسك بالدماء الجواسدِ

ويا فرح من فاحت خواتيمه شذى:: وفي الله جادت في الدماء الشواهد

وأنتم لها أهلٌ وليس يطيقها:: سوى الحوت في موج الصعاب الرواعدِ

ودينكم حق على اليد جمره:: و أنتم كمن يحميه من كل بارد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت