الصفحة 18 من 46

وخلال ذلك أبدى أبو زيادٍ -رحمه الله- بذلًا وعطاءًا غير محدود فقد كان يسخر كل شيءٍ في سبيل دعوته وجهاده ونصرة إخوانه.

لقد كان يفني معظم وقته بين ثنايا العمل الجهادي، حتى أن أهله يشتاقون لرؤيته من كثرة غيابه عن البيت، ولم يكن يبخل بماله عن توفير ما يلزمه و إخوانه من عتاد. يعتبر أن كل ما معه ملكٍ للجهاد والمجاهدين، ولا يختص نفسه من متاع الدنيا الزائلة، بل يدخره قُربةً له عند علام الغيوب.

ولئن تحدثنا عن بيته المتواضع، فكان مفتوحًا للمجاهدين ليل نهار، فما زرته يومًا إلا ووجدت حجرته مكتظةً تملئها مواد التصنيع و أجهزة الصواريخ ومعدات الجهاد، بل حتى يديه تتخللهما الشقوق والندوب من أثر التجهيز والتصنيع، وبقيت علامة على جهاده وعطائه حتى آخر يومٍ من حياته، نرجو الله أن يغفر به الخطايا ويرفع له بها الدرجات.

ومما كان يميز أخانا أبا زياد أن المحن والخطوب والابتلاءت لم تكن تفتُ في عضده يومًا من الأيام، فقد واجه السجن والملاحقة والتعذيب بوافر الصبر والثبات واليقين، وواجه الضعف والقلة وضيق الحال بالمزيد من الجهد والبذل والتفاني، وواجه تفوق العدو و اختلال موازين القوى باستنفاذ الوسائل والأخذ بالأسباب، وترددِ قول الله تعال: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ} [الأنفال 60] .

فكان مع إخوانه يحفرون في الصخر من أجل يصنعوا لأمتهم و يبنوا لدينهم صرحًا تكون فيه كلمة الله هي العليا، وهنا أذكر أنا أبا زيادٍ كان أول من قام بتصنيع ما يعرف بـ (صواريخ 107) في قطاع غزة، والله على ما أقول شهيد.

فقد شعر بحجم معاناة الإخوة من استعمال الصواريخ التقليدية ذات الأجنحة بسبب خطورة التنقل و التحرك بها؛ لكبر حجمها وصعوبة إطلاقها، فبدأ مع إخوانه في البحث والتجريب، وقام يومها بجهدٍ كبير، ففتح الله على يديه ونجح في عمل نسخة محلية من صاروخ الكاتيوشا الدولي عيار 107 ملم، الذي صار اليوم في متناول كل المجاهدين فلقد كان له فيه السهم الكبير والحظ الوافر، أسأل الله تعالى أن يجري به عمله إلى يوم الدين.

ولئن تحدثنا عن شجاعته و إقدامه -رحمه الله- فإن للحديث لشجون، فوالله الذي لا إله إلا هو أني كنت أشفق وأخشى عليه من فرط شجاعته وإقدامه رحمه الله؛ فلم يكن يطيب له إطلاق الصواريخ إلا من جوار الحدود و هي منطقة يخشى من دخولها المواطنون بل وأصحاب تلك الأراضي من المزارعين، وكانت أجهزة الأمن تتعجب حين ترى الصواريخ تخرج من خلف نقاط تفتيشهم الحدودية، ويندهشون من جرأة من قام بإطلاقها.

بل إنه في يوم من الأيام كان في مهمة رصد لأحد المناطق الحدودية فبدأ بالتصوير وأخذ بالتقدم تجاه المنطقة المطلوبة، حتى وصل إلى الجدار الحدودي ولم يكتف بذلك بل قفز إلى داخل الحدود وعاد لإخوانه بالتصوير من داخل الحدود، فأي شجاعة تلك وأي أسدٍ ذاك الذي فقدناه يوم رحيلك يا أبا زياد.

فطوبى لك آل جهاد أقمتم:: بفيض الدما صرحًا وعزًا بساعدِ

وبوركتم سيف تعاهد دينه:: برغم المآسي و الخطوب النواكدِ

ومن كان هذا حاله ازداد سؤددَ:: كسؤددَ أسلافٍ كرامٍ صناديدِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت