وقفنا بينه وبين الإفرنج إلى أن حمل الغلَّة ومضى. فعدلت أنا ورجل من مولّدينا يقال له حسام الدولة مسافر إلى كَرْم رأينا فيه شخوصًا، وهم على شط النهر.
فلما وصلنا الشخوص، والشمس على مغيبها، فإذا شيخ عليه مَعْرَقَة -أي غطاء الرأس- ومعه آخر، فقال له حسام الدولة -وكان رحمه الله رجلًا جيدًا كثير المزاح-: يا شيخ أي شيء تعمل ههنا؟ قال: أنتظر الظلام وأسترزق الله تعالى من خير هؤلاء الكفار، قال: يا شيخ بأسنانك تقطع عن خيلهم؟ قال: لا بهذه السكين، وجذب سكينا مشدودة بخيط كشعلة من النار وهو بغير سراويل، فتركناه وانصرفنا.
وأصبحت من بكرة ركبت أنتظر ما يكون من الإفرنج، فإذا الشيخ جالس في طريقه على حجر والدم على ساقه وقدمه وقد جَمُد، فقلت: يُهنئك السلام أي شيء عملت؟ قال: أخذت منهم حصانًا وترسًا ورمحًا، ولحقني رجل وأنا خارج من عسكرهم، طعنني فنفذ القنطاري -وهو أشبه الرمح لكنه أطول- من فخذي وسبقتُ بالحصان والترس والرمح. قال وهو مُستَقِلٌّ بالطعنة التي فيه كأنها في سواه!، وهذا رجل يقال له الزُّمركل وهو من شياطين اللصوص"."
أما قصته مع القرآن، فيقول عن أبيه:"وكان يكتب خطًا مليحًا، فما غيَّرت الطَّعنة من خطه، وما كان ينسخ سوى القرآن. فسألته يومًا فقلت: يا مولاي"، وهذه تعلمنا كيف كان الأبناء يتحدثون مع آبائهم،"كم كتبت ختمة؟ قال: الساعة تعلمون -أي عند وفاته-. فلما حضرته الوفاة قال: في الصندوق مساطر كتبت على كل مسطرة خِتمة، ضعوها تحت خدي في القبر، فعددناها فكانت ثلاثًا وأربعين مسطرة، وكتب بعددها ختمات، منها ختمة كبيرة كتبها بالذهب وكتب فيها علوم القرآن، قراءاته، وغريبه، وعربيته، وناسخه ومنسوخه وتفسيره وسبب نزوله وفقهه بالحبر والحُمرة والزُّرقة لوَّن، وترجمه بالتفسير الكبير -أي عنونه-. وكتب ختمة أخرى بالذهب مجرَّدة من تفسير، وباقي الختمات بالحبر مذهَّبة الأعشار والأخماس والآيات ورؤوس السور ورؤوس الأجزاء"إلى آخره.
ويومًا سأل أسامة والده عن شجاعته، وكان يدرس النجوم على طريقتهم، فقال له في أحد المعارك:"يا ولدي في طالِعي أنني لا أرتاح"؛ أي أن نجمي أني لا أعرف الخوف. ويستفاد من ذلك أن قراءة النجوم كانت منتشرة في ذلك المجتمع على طريقتهم.