كذلك قلنا أنه كان منصفًا للنصارى، وأن هناك فارسًا إفرنجيًا يهزم أربعة مسلمين، وهنا فائدة من فوائد التربية، يقول هنا:"فكأن أن تلك الهزيمة منحتهم قلوبًا غير قلوبهم، وشجاعة ما كانوا يطمعون فيها، فانتخوا وقاتلوا واشتهروا في الحرب وصاروا من الفرسان المعدودين بعد تلك الهزيمة".
يقول عن الشيخين لما استُشهدا نذكر نصه لجماله وروعته:"ومن الناس من يقاتل كما كان يقاتل الصحابة -رضوان الله عليهم- يقاتلون من أجل الجنة، لا لرغبة ولا لسمعة. ومن ذلك أن ملك الأمان الإفرنجي -لعنه الله- لما وصل للشام، اجتمع عليه كل من بالشام من الإفرنج، وقصد دمشق فخرج عسكر دمشق وأهلها لقتالهم، وفي جملتهم الفقيه الفندلاوي والشيخ الزاهد عبد الرحمن الحلحولي -رحمهم الله- وكانوا من خيار المسلمين، فلما قاربوهم قال الفقيه لعبد الرحمن: ما هؤلاء الروم؟ قال: بلى، قال: فإلى متى نحن وقوف؟ سِر على اسم الله تعالى. فتقدَّم حتى قُتل".
والكتاب كله رائع جميل.
ويُعلّم هذا الكتاب الطرق العلمية لصيد الأسود عند الأوائل، في الموصل، وغور وادي موسى، وذكر شيئًا مؤلمًا عنه أن أهله كانوا يأكلون الموتى لشدة فقرهم ومع ذلك لا يمرضون.
وقال:"بل رأيته يومًا رحمه الله وقد خرج لقتال أسد ظهر على الجسر، فلما وصلنا حمل علينا من أدمة كان فيها، فحمل على الخيل ثم وقف، وأنا وأخي بهاء الدين منقذ -رحمه الله- بين الأسد وبين موكب فيه أبي وعمي -رحمهما الله- ومعهما جماعة من الجند، والأسد قد ربض على حرف النهر يتضرَّب بصدره على الأرض ويهدر، فحملتُ عليه، فصاح علي أبي -رحمه الله-: لا تستقبله يا مجنون فيأخذك، فطعنتُه، فلا والله ما تحرَّك من مكانه، فمات في موضعه. فما رأيته نهاني عن قتال غير ذلك اليوم."
بقي نص أخير أريد أن أقرأه لكم مع طوله لأهميته، لبيان أن (حُسن العهد من الإيمان) ، كأنه يختم الكتاب بهذه الكلمات الرائعة -رغم أنه بقي فيه بقية- يقول:"أعجزني وَهَنُ السنين عن خدمة السلاطين، فهجرتُ مَغْشى أبوابهم، وقطعتُ أسبابي من أسبابهم، واستقلت من خدمتهم، ورددتُ عليهم ما حوَّلوا لي من نعمهم، لعلمي أن ضعف الهرم لا يقوى على تكاليف الخدم، وأن سوق الشيخ الكبير لا ينفق على الأمير. ولزمت داري وجعلت الخمول شعاري، ورضيت نفسي بانفرادي في"