والأغلب في مشايخنا إن لم يكونوا كذلك يسعون أن يكونوا كذلك، وهو أن يدخلوا عالم الفكر بمعنى تجلّياته التزينية؛ مفكّرين يُدعون إلى المحاضرات، ينتشرون من بلد إلى بلد، يُقدّمون في التلفزيونات، يلبسون الغِرافات [1] مع المؤاخذة طبعًا لأن البعض يتضايق.
لكن هؤلاء عادةً يأنفون من أن يعيشوا الواقع المرير الذي يعيشه الشباب. يحبون أن يُدعوا للمحاضرات، يعني يلقي محاضرة، ثم يُدعى في الفنادق. المشايخ يحبّون هذا، دعكم مما ترونه، وإذا لم يكونوا كذلك يحبّون أن يلحقوا بهؤلاء.
وأما أن يعيش الشيخ وينام في المسجد مثلًا، وأن تجد الشيخ يعيش مع الناس وجالس في المسجد ونائم معهم، أو في معسّكر ومعفّر معهم، أو في رحلة لا يوجد فيها هذا الترف الذي يعيشونه في الفنادق، فهذا عامة المشايخ الذين وصلوا إلى درجة"د."لا يحبّونها.
الشيخ عبد الله عزام يختلف عن هذا. الشيخ عبد الله عزام هذه القضية كان كأنه يراقبها في نفسه أو كأنها حاضرة في نفسه.
وأنا أعتقد بأن مفتاح هذه القضية هو أن الشيخ عبد الله عزام من القلائل في عالمنا في هذه البلاد وفي زمانه الذين عشقوا القرآن عشقًا تامًا.
للذكر أنا كنت في الجامعة طالبًا لما كان الشيخ عبد الله عزام يدرّس، وهو درّسني مادة علوم القرآن. لما كان موجودًا الشيخ عبد الله عزام لا أذكر محاضرة من محاضراته لا يرغّب الشباب بالقرآن، الشيخ عبد الله عزام يحبّ القرآن، ليس حبّ الواعظ، مع المؤاخذة، نعرف وعّاظ اليوم يأتي يقول عما أتكلم فيأتي بكتاب (رياض الصالحين) ويقرأ باب فضائل القرآن، وهكذا.
فكثير من الناس يمارس هذا النوع من العمل، ولكن لو سألته مثلًا كم وردك؟ كم أنت تقرأ؟ فيقول أقرأ الحمد لله على طريقة الرجل المليونير الذي سأله والدي هل تزكّي؟ قال أزكّي الحمد لله، فقال كم تخرج؟ قال الحمد لله أنا
(1) رابطة العنق.