فهرس الكتاب

الصفحة 676 من 715

انشغلوا بالجهاد، وأن هذه العلوم الّتي تختص بمسائل معينة كانت غائبة عنهم حتى فجّرها هؤلاء، أناس يرون في نفوسهم أنهم أعظم جهادا من الصحابة!

وهذا جهل وافتراء، الصحابة كانوا يعلمون القرآن جملةً وتفصيلًا أكثر من غيرهم، وعلم السلفيّ ليس أفضل لأنّه أسلم؛ بل لأنّه حقّ في كل تفاصيله، فهذه قضيّة مهمّة لمن يقرأ ببن تيميّة، وأقول أنّ بعد ابن تيمية كلنا بحاجة إليه، وأنصح كلّ مسلم وكلّ من يعاني في البحث والنظر ويريد أن يعرف كيفية قراءة الكتاب والسنة سواء في المسائل الاعتقادية أو الأصولية أو الفقهية، فابن تيمية يفتح له هذا المنهج ويفتح له هذا الباب ويفصّل فيه، وهو يصنع عقلًا عجيبا، عقلا خاصّا لو ذهبت إلى غيره لا تجد هذه الصناعة عند غيره.

النقطة المهمّة جدًا الّتي أتيت إليها أنّ له نفسًا عظيمة، وليس فقط عقله الّذي يستوعب، كان وهو صغير يأتي له الرازي في الحلم ويناظره يعني حتّى أحلامه مناظرات؛ حتّى أنّه كان يقول"إن كثيرًا مما كتبته هنا إنّما هو من مناظرتي مع الرازي في مناماتي"، ويقول أنّ كتاب (أساس التقديس) للرازي هو أصل المتكلّمين، وردّ عليه في كتاب درء تعارض العقل والنقل، ويذكر أنه وهو صغير ناظر يهوديا فأسلم كما يذكر عنه ناصر الدين.

النقطة الّتي تهمّنا هنا هي الجانب النفسي، ابن تيمية لا نرى في كتاباته الانفعالات الشديدة إلّا في مواطن، مثلا في ردّه على الإخنائيين تجد انفعالا بالرغم من أنّه حلّف يمينا أن يردّ على الإخنائي، وذكر في مقدمة الكتاب أن من أحضر له الكتاب أقسم عليه أن يردّ عليه، وفيه شيء من الانفعال النفسي، أنا أتكلّم عن كتبه ما يهمّني ما كتبه الذهبي أو معاصروه وأنه كان يصكّ مخالفه صكًّا، ولكن الّذي نراه في الكلام تجد هدوءً، ولو أردنا أن نعرض ما عملوه عملا عمّا كتبه قولا لا نجد توازنا، فقد خاصمه خصومه خصامًا شديدًا وسعوا إلى قتله.

ولم تنبع شدّته في كلامه مع مخالفيه بسبب ما أحدثوه فيه، ولكن بسبب أغلاطهم الشديدة فيه، في كتابه (الرد على الإخنائي) يقول لمّا يأتي إلى القاضي:"أين دينك؟ تسبّني وتتهمني بأنّي أقول أنّه لا يجوز زيارة المقابر، هذا كذب علي، وكان ينبغي عليك إذا كان عندك دين أن تذكر نص الفتوى الّتي ذكرتها"، وما في إجماع على حرمة زيارة المقابر ولكنّ النّص معه، ولا نرى أنه يتحدث عن نفسه وعن مشاكله لدرجة الانفعال في الردّ على خصومه، بالرغم أنه أمضى حياته مخاصمًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت