ومع ذلك هو رجل دخل مع الفلاسفة والمتكلّمين، وله مشاركة في علومهم ورأينا له (تقريب حدّ المنطق) ، لابن حزم، ومع أنّ محبّيه يزعمون أنّه قرّب المصطلحات، لكن هذا غير صحيح، ابن حزم قرّب المصطلحات ليجعلها دليلا له في التعامل، وجعل (تقريب حد المنطق) مقدّمة لكتابه (الإحكام في أصول الأحكام) في أصول الفقه.
ولمّا جاء إلى المباحث الكلامية رأيناه تأثّر بهم، مثل كتاب (تقريب حدّ المنطق) رأيناه في قضيّة تأويل الأسماء والصفات يؤوّل الأسماء والصفات، وينفي الحكمة والتعليل في أفعال الله، ومع صلابته في الحق وقع بسبب تأثّره بهؤلاء.
عندما نرى الغزالي هذا الرجل الّذي يتّهم دائما بأنّه نصر الأشعرية الّتي تمثل الأثر والنص في مقابل المعتزلة الّتي تقّدم العقل والمنطق، يقول عنه تلميذه أبو بكر ابن العربي:"شيخنا دخل في جوف الفلاسفة ولم يستطع الخروج".
ولن نتكلّم عن الحفيد ابن رشد فأمره مشهور، ولا نتكلم عمّن كان ضعيفًا في السنّة كالباقلاني، الجويني، وابن الجويني، وكتبهم تشهد بهذا، لكن نتكلّم عمن كان متضلعًا في السنة ولكن عندما يقترب من هؤلاء تجد عنده هذه الفجوة الّتي يدخل بها الغلط من جهة هذا الفنّ، فنّ السفسطة، فنّ الكلام إلى آخره،
الغريب تجد أنّ ابن تيمية يخالف الغزالي، الغزالي دخل في جوف الفلاسفة ولم يستطع الخروج، ابن تيميّة أدخل الفلاسفة في جوفه، وهضمهم ثمّ أخرجهم بعد ذلك على ما هم عليه مميزين بما عندهم من صواب وخطأ، ولم يقف.
هنا تأتي عظمة نفسه في نفسه، دائمًا أقول لإخواني لا يمكن أن تدخل التاريخ إلّا إذا أدركت موقعك من التاريخ، وما يسمّيه الناس تواضعًا وهو في الحقيقة ليس تواضعًا بل هو ضعف، عندما يتواضع المرء فيسكت عن الحقّ أو الباطل لعظمة من يقوله، ويخنع ويسكت، فهذا رجل لا يعرف موقعه من التاريخ ولا يدخل التاريخ إلّا بمقدار ما وضع.