فهرس الكتاب

الصفحة 669 من 715

وابن تيمية اليوم طبعًا يحارَب من جهات متعدّدة، كما حاربه خصومة في عصره، وحاربه الصوفية في آخر محنة له وأنا سأذكر المحن الّتي مرّ بها، وكذلك محنته مع جماعة ابن عطاء السكندري في مصر عندما تكلَّم عليه فضربوه وهو خارج من السجن بعد سنتين فضرب من قبل أتباع ابن عطاء السكندري.

وخصومُه الصوفية مع أنّه في الحقيقة ينصف الصوفية فلا ينفي الصوفية البتّة، ولا يثبتها البتّة، بل يقيّدها بالكتاب والسنّة، بل نراه في الحقيقة يعظّم مشايخ التصوّف، وفي كل ما قرأت له لم يذكر الجُنيْد إلّا بخير؛ لأنّ الجنيد في الحقيقة لا تعرف عنه الأقوال الفلسفية الّتي عرفت في غيره كابن الفارض و ابن عربي والبسطامي، فأولئك عرف عنهم كلمات فلسفية خطيرة، فيما يتعلّق بوحدة الوجود والحقيقة المحمدية، والمقصود بالحقيقة الفلسفية كما يعتقدها الصوفية وعلى رأسهم ابن عربي الطائي وهو صاحب (الفصوص) و (الفتوحات المكية) و كان ظاهري المذهب في الفقه، فكيف يجتمع هذا وذاك؟

وعندما يرسل الرسائل إلى أتباع الصوفية يتكلّم عن كثير منهم بالكلمات الطيّبة، كما ينقل عن البسطامي بعض كلامه الّذي فيه وجوب تقيّد الصوفي بالكتاب والسنة، فهو لا يحسم الموضوع حسمًا نهائيًا معهم.

هؤلاء خصومه، والخصوم الآخرون هم الأشاعرة والمتكلّمون، وهؤلاء كثر في زمانه وبعد زمانه، ويخاصمونه على هذا الاتجاه، والصوفية لا يخاصمونه فقط للصوفية ولكن في بعض المسائل الفقهية كالتوسّل، ولكنّهم لا يفهمون كلامه، كذلك نهيه عن شدّ الرحال إلى القبور وإلى المشاهد والأماكن الّتي لم يأمر بها الشارع،"لا تشدّ الرحال إلّا إلى ثلاث مساجد"

لكن اليوم هناك خصوم جدد، يرون أنّ ابن تيمية كما قال هينري لاوست في بعض مقالاته"نثر قنابلًا، بعضها انفجر في زمانه وبعضها كمن، تنتظر انفجارا في عصور متأخّرة"، وابن تيميّة هذا حظّه، فهو يعيد إنتاج نفسه، فالدعوة الوهابية في أصلها دعوة صحيحة بغضّ النظر عمّا أحدث فيها وما دخل عليها وبغضّ النظر عن تطوّرها سياسيّا، ولكن في أصلها دعوة للتوحيد، والشرارة الّتي انطلقت في ذهن ابن عبد الوهاب، انطلقت من ابن تيمية -رحمه الله-.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت